إضرابات عمالية في ريف دمشق تعكس ضغوط القطاع الخاص السوري وتكشف تحديات هيكلية

الصورة عبر Syrianobserver

شهدت منطقة الكسوة بريف دمشق مؤخراً إضراباً مفتوحاً عن العمل نفذه عمال في شركة زنوبيا للسيراميك والأدوات الصحية (Zenobia Ceramic and Sanitary Ware Company)، في خطوة تعكس الضغوط المتزايدة التي يواجهها القطاع الخاص السوري. يأتي هذا الإضراب في ظل غياب قنوات تفاوض فعّالة للعمال، وفقاً لمراقبين. وقد أطلق عمال شركة زنوبيا للسيراميك والأدوات الصحية في منطقة الكسوة هذا الإضراب المفتوح عن العمل، مما يسلط الضوء على الأوضاع الصعبة التي يمر بها العاملون في القطاع الخاص في سوريا.

في هذا السياق، أشار الاقتصادي يونس العليبي إلى أن النقابات العمالية في سوريا تخضع لسيطرة الدولة، وأن المساحات المدنية المستقلة تُقمع، مما يترك العمال دون آليات مؤسسية للتفاوض على حقوقهم ومطالبهم. هذا الوضع يسلط الضوء على التحديات الهيكلية التي تواجه القوى العاملة في القطاع الخاص، حيث يجد العمال أنفسهم في مواجهة مباشرة مع إدارات الشركات دون سند حقيقي من منظمات تمثل مصالحهم بشكل مستقل وفعال. يرى العليبي أن هذه البيئة المقيدة تساهم بشكل مباشر في دفع العمال نحو الإضرابات كشكل رئيسي للتعبير عن استيائهم ومحاولة انتزاع حقوقهم، في ظل غياب قنوات الحوار البناءة والتمثيل النقابي المستقل.

إضراب في مصنع زنوبيا للسيراميك ومصنع مدار للمنظفات

بشكل موازٍ لإضراب عمال شركة زنوبيا، نظم عمال في مصنع مدار للمنظفات (Madar Detergent Factory) المجاور احتجاجات مماثلة، مما يعكس اتساع نطاق المطالب العمالية في المنطقة. لا تتجاوز الأجور اليومية في مصنع زنوبيا للسيراميك 50 ألف ليرة سورية قديمة، وهو ما يثير تساؤلات حول مستويات المعيشة للعمال في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف الحياة. هذه الأجور المتدنية لا تكاد تغطي الاحتياجات الأساسية للعاملين وأسرهم، مما يدفعهم للبحث عن سبل لتحسين أوضاعهم المالية.

يشكو العمال أيضاً من افتقار منشأة زنوبيا للخدمات الطبية الأساسية أو سيارة إسعاف، مما يضعهم في مواجهة مخاطر صحية محتملة دون دعم كافٍ. يعتبر هذا النقص في الخدمات الأساسية مصدر قلق كبير للعمال، خاصة في بيئة عمل صناعية قد تنطوي على مخاطر مهنية وتتطلب استجابة سريعة للحالات الطارئة. في البداية، طالب عمال زنوبيا بزيادة شهرية ثابتة قدرها مليون ليرة سورية قديمة، في محاولة لتحسين ظروفهم المالية وتلبية جزء من احتياجاتهم المعيشية المتزايدة.

تصاعدت مطالب العمال بعد أن تجاهلت الإدارة إنذاراً مدته 24 ساعة، حيث قاموا برفع سقف مطالبهم إلى زيادة شهرية قدرها 100 دولار أمريكي. تعادل هذه الزيادة، البالغة 100 دولار شهرياً، حوالي 1.4 مليون ليرة سورية وفقاً لأسعار السوق الموازية، مما يبرز الفارق الكبير بين الأجور الحالية وما يطالب به العمال لضمان مستوى معيشي لائق. كانت إدارة زنوبيا قد تجاهلت قائمة رسمية بالمطالب قدمها العمال قبل عشرة أيام من الإضراب، مما دفعهم إلى اتخاذ خطوات تصعيدية لم يجدوا بديلاً عنها للتعبير عن استيائهم. توظف شركة زنوبيا حوالي 4 آلاف عامل في منشآتها المنتشرة في عدرا والكسوة، ما يجعل أي اضطراب عمالي فيها ذا تأثير واسع على القوى العاملة في المنطقة وعلى حجم الإنتاج للشركة.

مطالب عمالية وتكتيكات إدارة مصنع مدار

دخل التوقف عن العمل في مصنع مدار للمنظفات يومه الثاني، في موازاة إضراب عمال شركة زنوبيا للسيراميك والأدوات الصحية المجاورة في ريف دمشق. وصف العمال إجراء إدارة مصنع مدار بإعلان يوم الخميس عطلة رسمية مفاجئة بأنه محاولة لعرقلة الإضراب الذي شهدوه. وقد اعتبر العمال هذه الخطوة تكتيكاً من الإدارة لفض التجمع العمالي وتقويض زخم الاحتجاجات، بدلاً من الدخول في حوار جاد حول مطالبهم.

كما رفضت إدارة مصنع مدار المطالب المتعلقة بمنح وضع دائم للموظفين العاملين بعقود. وتشير هذه التطورات إلى استمرار التوتر بين الإدارة والعمال حول ظروف التوظيف والمطالب المتعلقة بالاستقرار الوظيفي، حيث يسعى العديد من العمال إلى الحصول على عقود دائمة توفر لهم الأمان الوظيفي والمزايا المرتبطة به. على الرغم من التحديات، تم التوصل إلى اتفاق مبدئي في مصنع مدار بخصوص زيادة في الأجور قدرها مليون ليرة سورية قديمة. تعكس هذه الزيادة جزءاً من مطالب العمال لتحسين أوضاعهم المعيشية في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها البلاد، وتعد خطوة أولى نحو معالجة بعض قضاياهم الملحة، وإن كانت لا تلبي جميع تطلعاتهم المتعلقة بالاستقرار الوظيفي أو الأجور التي تتناسب مع تكاليف المعيشة المتزايدة.

الرد الرسمي للقوانين والقرارات

أعلنت إدارة شركة زنوبيا أنها تلتزم بالكامل بقانون العمل السوري رقم 17 لعام 2010، الذي ينظم العلاقة بين أصحاب العمل والعمال ويحدد الحقوق والواجبات لكل طرف. وأفادت الإدارة أيضاً بأنها طبقت المراسيم الرئاسية الأخيرة التي قضت برفع الحد الأدنى للأجور، مؤكدة بذلك التزامها بالأطر القانونية المنظمة لسوق العمل. من بين هذه المراسيم، أشارت الإدارة إلى تنفيذ المرسوم رقم 102 لعام 2025 الذي رفع الحد الأدنى للأجور إلى 7,500 ليرة سورية جديدة. كما أكدت إدارة زنوبيا أنها التزمت بالمرسوم رقم 67 لعام 2026، الذي حدد الحد الأدنى للأجور عند 12,560 ليرة سورية جديدة. تعكس تصريحات الإدارة موقفها القانوني تجاه مطالب العمال وسط الإضرابات المستمرة في منشآتها بالكسوة، مشددة على أنها تعمل ضمن القوانين والتشريعات المعمول بها. ومع ذلك، يرى العمال أن هذه الزيادات القانونية لا تواكب التضخم الفعلي وارتفاع تكاليف المعيشة، مما يفسر استمرار احتجاجاتهم ومطالباتهم بزيادات أكبر.

تداعيات اقتصادية واجتماعية

قال الاقتصادي يونس العليبي إن القطاع الخاص يواجه ضغوطاً هائلة بسبب تآكل القوة الشرائية بفعل التضخم. وأضاف العليبي: "لسنوات، افترض الخطاب الاقتصادي أن القطاع الخاص سيمتص الصدمات ويخلق فرص العمل ويرفع الدخول. ما نشهده الآن يظهر أن القطاع الخاص يعاني من ضغوط هائلة. لقد قضى التضخم على القوة الشرائية، وقد أدت الأزمة إلى تصدع العلاقة الأساسية بين أرباب العمل والقوى العاملة لديهم". تعكس هذه التصريحات التحديات الاقتصادية العميقة التي تواجه الشركات السورية وتأثيرها على ديناميكيات العمل. وأشار العليبي أيضاً إلى أن هذه الضغوط الاقتصادية، إلى جانب غياب قنوات التفاوض المستقلة، تدفع العمال إلى الإضرابات كوسيلة وحيدة للتعبير عن مطالبهم، مما يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. هذا الوضع يهدد استقرار الشركات ويؤثر سلباً على الإنتاجية، في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد إلى كل جهد لدعم عجلة الاقتصاد.