بعد أشهر من التأخير، أعلنت اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري نتائج الانتخابات البرلمانية من مدن الحسكة والقامشلي وعين العرب (كوباني) في شمال شرق سوريا. أسفرت هذه الانتخابات عن فوز تسعة مرشحين، وتُراقب هذه النتائج عن كثب لتأثيرها المحتمل على المفاوضات الجارية بشأن دمج قوات سوريا الديمقراطية (SDF) في مؤسسات الدولة السورية. وذكرت اللجنة العليا أنه قد تم تحديد فترة زمنية تبلغ 48 ساعة أمام المرشحين وأعضاء الهيئة الانتخابية لتقديم أي طعون محتملة على النتائج المعلنة. ومن المتوقع أن تُعقد الجلسة الأولى لمجلس الشعب الجديد في شهر حزيران/يونيو المقبل، في إطار استكمال العملية التشريعية. ومن المرتقب أن تظل المقاعد المخصصة لمحافظة السويداء شاغرة في البداية، في انتظار ترتيبات مستقبلية.
تفاصيل النتائج وتوزيع المقاعد الجغرافية والعرقية
في مدينة الحسكة، فاز كل من إبراهيم مصطفى العلي وعمر حايك وفصلة يوسف بمقاعد في الانتخابات البرلمانية، ممثلين بذلك المدينة في مجلس الشعب. أما في مدينة القامشلي، فقد جرى انتخاب أربعة مرشحين هم كيم إبراهيم ورضوان سيدو وعبد الحليم العلي ومحمود ماضي، مما يعكس تنوعاً في التمثيل. وفي عين العرب (كوباني)، فاز فرهاد أنور شاهين وشواخ إبراهيم العساف بمقعدين، ليكونا ممثلي المنطقة في المجلس.
وصرحت نوار نجمة، العضو في اللجنة العليا للانتخابات، بأن نسبة المشاركة بين أعضاء الهيئة الانتخابية كانت مرتفعة بشكل استثنائي، حيث تجاوزت 96 أو 97 بالمئة في بعض المناطق، مما يشير إلى اهتمام كبير بالعملية الانتخابية. وأشارت نجمة إلى أن نتائج القامشلي شهدت فوز مرشحين كرديين ومرشحين عربيين، مما يبرز التنوع العرقي في المدينة. كما ذكرت أن مدينة المالكية (al-Malikiya) انتخبت مرشحاً كردياً ومرشحاً عربياً، ما يؤكد نمط التمثيل المشترك. وفيما يخص الحسكة، أوضحت نجمة أن النتائج أسفرت عن ممثل كردي واحد وممثلين عربيين اثنين، مما يعكس التركيبة الديموغرافية للمنطقة.
وبينت نجمة أن عين العرب أظهرت نمطاً مشابهاً من التمثيل، حيث تمكن مرشحون من خلفيات مختلفة من الفوز بالمقاعد. وأكدت المسؤولة في اللجنة العليا للانتخابات أن النظام الانتخابي المعتمد لا يعتمد على حصص عرقية أو دينية أو جندرية محددة مسبقاً، بل يرتكز على مبدأ الانتخاب الحر للمرشحين. ومن المقرر أن يقوم الرئيس أحمد الشرع بتعيين 70 عضواً إضافياً في مجلس الشعب، استكمالاً لتشكيلة المجلس. هذه التعيينات ستلعب دوراً في تحقيق التوازن وتمثيل مختلف الأطياف التي قد لا تكون قد حصلت على تمثيل كافٍ عبر الانتخاب المباشر، وتعد جزءاً من الآلية المتبعة لاستكمال الهيكل التشريعي.
مخاوف حول تمثيل الأقليات المسيحية وتأثيرها على العملية الانتخابية
أفاد سليمان يوسف بأن الكليات الانتخابية في مدينتي القامشلي والمالكية ضمت أكثر من 20 عضواً مسيحياً من السريان الآشوريين، مما يدل على وجود تمثيل مبدئي لهذه المكونات. ومع ذلك، أشار يوسف إلى أن هؤلاء الأعضاء السريان الآشوريين انسحبوا لاحقاً من العملية الانتخابية، وهو ما أثار تساؤلات حول أسباب هذا الانسحاب وتداعياته.
ووفقاً لتحليلات سليمان يوسف، جاء انسحاب الأعضاء السريان الآشوريين بعد أن استنتجوا أن تفاهمًا كرديًا-عربيًا كان من شأنه أن يحرم المرشحين المسيحيين من الأصوات الضرورية للفوز بالمقاعد المخصصة. وأوضح يوسف أن هذا التفاهم بين المكونين الرئيسيين، الكردي والعربي، أثار مخاوف جدية بشأن قدرة ممثلي الأقليات على تحقيق تمثيل فعال وعادل في مجلس الشعب، مما دفعهم إلى الانسحاب كشكل من أشكال الاحتجاج على ما اعتبروه إقصاءً. هذه التطورات تسلط الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه الأقليات في سعيها لضمان تمثيلها السياسي في ظل التوازنات القائمة بين المكونات الديموغرافية الأكبر في المنطقة. إن انسحاب هؤلاء الأعضاء من العملية الانتخابية يمثل مؤشراً على وجود فجوات في الثقة بين مختلف المكونات، ويثير تساؤلات حول مدى شمولية العملية الانتخابية وقدرتها على استيعاب جميع الأطياف.
كما ادعى سليمان يوسف أن نينورتا شمعون، وهي مرشحة مسيحية آشورية، استُبعدت من المنافسة في مدينة الحسكة، مما يعكس نمطاً مشابهاً لما حدث في القامشلي والمالكية. وأرجع يوسف هذا الاستبعاد إلى تفاهم تم بين الأعضاء العرب والكرد في الكلية الانتخابية هناك، مما أثر بشكل مباشر على فرص تمثيل الأقلية الآشورية في المدينة. هذه الادعاءات تسلط الضوء على التحديات التي تواجه الأقليات في ضمان تمثيلها السياسي في ظل التوازنات القائمة بين المكونات الأكبر. هذه المزاعم، إن صحت، تشير إلى أن العملية الانتخابية قد لا تكون قد وفرت ساحة متكافئة لجميع المرشحين، وخاصة أولئك الذين ينتمون إلى الأقليات. إن استبعاد مرشحين بناءً على تفاهمات عرقية، بدلاً من الأهلية الانتخابية، يمكن أن يقوض الشرعية الديمقراطية للنتائج ويؤثر سلباً على ثقة الأقليات في النظام السياسي.
تداعيات الانتخابات على مفاوضات قوات سوريا الديمقراطية ومسار الاندماج
تثير نتائج الانتخابات البرلمانية في شمال شرق سوريا تساؤلات جدية حول تأثيرها المحتمل على المفاوضات الجارية بشأن دمج قوات سوريا الديمقراطية (SDF) في مؤسسات الدولة السورية. فبعد إعلان اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري النتائج في الحسكة والقامشلي وعين العرب (كوباني)، تواجه هذه المفاوضات تحديات جديدة، خاصة مع الشكوك المثارة حول عدالة وشمولية تمثيل جميع المكونات السكانية في المنطقة. إن هذه التطورات تضع ضغوطاً إضافية على المفاوضات، حيث أن تحقيق دمج ناجح يتطلب ضمان تمثيل شامل وعادل لمختلف الفئات في المنطقة، بما في ذلك الأقليات، لضمان قبول واسع النطاق واستقرار طويل الأمد.
تشير التطورات الأخيرة إلى أن هذه النتائج قد تعقّد مسار دمج قوات سوريا الديمقراطية، في ظل الجدل الدائر حول عدالة التمثيل السياسي للأقليات، وخصوصاً بعد انسحاب الأعضاء السريان الآشوريين والادعاءات المتعلقة باستبعاد مرشحين مسيحيين. وينظر إلى هذه الانتخابات كاختبار حاسم لمدى قدرة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا على تحقيق التوازن بين المكونات المختلفة للمجتمع، وهو ما يعتبر حاسماً لأي اتفاق مستقبلي مستدام مع الحكومة المركزية في دمشق حول دمج القوات والمؤسسات. إن هذه التحديات تؤكد على أهمية معالجة المخاوف المتعلقة بالتمثيل العادل والشفافية في العملية السياسية لضمان نجاح أي مبادرة اندماج مستقبلية.
كما أن مسألة المقاعد الشاغرة المخصصة لمحافظة السويداء، والتي سيتم تعيين 70 عضواً فيها من قبل الرئيس أحمد الشرع، قد تزيد من تعقيد المشهد العام للمفاوضات. هذه العوامل مجتمعة تضع ضغوطاً إضافية على مفاوضات قوات سوريا الديمقراطية، حيث يتطلب أي دمج ناجح ضمان تمثيل شامل وعادل لمختلف الفئات في المنطقة، بما في ذلك الأقليات، لضمان قبول واسع النطاق واستقرار طويل الأمد. إن تحقيق التوازن بين التمثيل المنتخب والتمثيل المعين، ومعالجة مخاوف الأقليات، سيكون أمراً محورياً في تحديد نجاح عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة. إذا لم يتم التعامل مع هذه القضايا بفعالية، فقد يؤدي ذلك إلى تفاقم التوترات السياسية والاجتماعية، مما يعرقل جهود تحقيق الاستقرار والاندماج على المدى الطويل في المنطقة.