أعلنت صحيفة "هاشتاغ" (Hashtag) السورية تعليق عملياتها، مشيرة إلى بيئة معادية متزايدة للصحافة المستقلة داخل سوريا بعد 12 عاماً من العمل الدؤوب. ذكرت الصحيفة في بيان رسمي لها أن الظروف الحالية جعلت من استمرار عملها أمراً صعباً ومحفوفاً بالمخاطر الجسيمة. عزت "هاشتاغ" قرارها إلى التحديات المتصاعدة التي يواجهها الصحفيون المستقلون في البلاد، مؤكدة أن هذا التعليق جاء نتيجة لتزايد المخاطر التي يتعرض لها صحفيوها والقيود المتزايدة المفروضة على وسائل الإعلام المستقلة. شددت الصحيفة على أن هذا القرار لم يكن بسبب إفلاس مالي، أو تراجع في أعداد القراء، أو أي انتهاك قانوني مثبت يمكن أن يبرر مثل هذه الخطوة المفاجئة. أكدت الصحيفة التزامها برؤية لسوريا يتمكن فيها الصحفيون من التحقيق، والانتقاد، ومساءلة أصحاب السلطة دون خوف من التبعات. وشددت "هاشتاغ" على أهمية هذه المبادئ لمستقبل الصحافة الحرة والشفافية في المجتمع السوري، معربة عن أسفها لعدم قدرتها على الاستمرار في تحقيق هذه الرؤية في ظل الظروف الراهنة.
تاريخ من التحقيقات الجريئة والضغوط المتزايدة
تأسست صحيفة "هاشتاغ" عام 2011 بموجب قانون الإعلام السوري الصادر في ذلك العام، وبدأت عملها في بيئة إعلامية معقدة ومتغيرة. منذ تأسيسها، كرست "هاشتاغ" جهودها لتقديم تغطية صحفية مستقلة وموضوعية، متجاوزة بذلك الخطوط الحمراء التي كانت تفرضها الأجواء السياسية والإعلامية السائدة. خلال مسيرتها الطويلة، أجرت "هاشتاغ" تحقيقات صحفية جريئة تناولت قضايا حساسة وشائكة كان لها تأثير كبير على الرأي العام. شملت هذه التحقيقات قضايا مثل تهريب النفط، والفساد المستشري في قطاعي الاتصالات والطيران، بالإضافة إلى كشف تفاصيل حول الاقتصاد الخفي وشبكات النفوذ السياسي والتجاري التي كانت تعمل بعيداً عن الأضواء. هذه التحقيقات الدقيقة والمفصلة كشفت عن جوانب مظلمة من الواقع السوري، مما أكسب الصحيفة احتراماً واسعاً بين القراء، لكنه في الوقت نفسه وضعها في مواجهة مباشرة مع أصحاب المصالح والنفوذ.
هذا النوع من التغطية الصحفية العميقة والمكشوفة عرّض صحفيي "هاشتاغ" لتهديدات متكررة وخطيرة، تضمنت في بعض الأحيان تهديدات مباشرة بالقتل، مما عكس مدى حساسية وخطورة القضايا التي كانوا يتناولونها. أدت هذه الضغوط المتزايدة والتهديدات المستمرة إلى توقف ما يقرب من عشرين صحفياً عن العمل مع "هاشتاغ" بسبب الترهيب الذي تعرضوا له، مما أثر بشكل كبير على قدرة الصحيفة على الحفاظ على كوادرها الصحفية المتخصصة. وعلى الرغم من ذلك، فإن الصحفيين الذين بقوا في الصحيفة واصلوا عملهم بشجاعة وإصرار، متحدين حملات التشهير والتحريض والتهديدات المستمرة التي استهدفتهم بشكل مباشر. كما واجه بعض الصحفيين محاولات اعتقال وسجن بسبب عملهم الصحفي الحر، في محاولة واضحة لترهيبهم وإسكات أصواتهم النقدية. كانت هذه الممارسات جزءاً لا يتجزأ من بيئة متزايدة العداء للصحافة المستقلة في سوريا، والتي سعت إلى خنق أي صوت نقدي أو مستقل يسعى لكشف الحقائق.
تدهور العلاقة مع السلطات وتصاعد القيود
تدهورت العلاقة مع السلطات بشكل ملحوظ على خلفية تجديد ترخيص صحيفة "هاشتاغ"، وهو ما مثل نقطة تحول حاسمة في مسيرة الصحيفة. ففي مارس 2026، اتخذت السلطات قراراً بمنع "هاشتاغ" من العمل داخل سوريا، مشيرة إلى أن إجراءات الترخيص لم تكن مكتملة، وهو ما اعتبرته الصحيفة حجة واهية للتضييق عليها وخنق صوتها. ذكرت "هاشتاغ" أن المسؤولين أوضحوا أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن المنفذ الإعلامي كان يعتبر غير "متعاون" بما فيه الكفاية مع الجهات الرسمية، مما يكشف عن دوافع سياسية واضحة وراء قرار الحظر. هذا التقييد الرسمي جاء بعد فترة طويلة من الضغوط المتزايدة التي واجهتها الصحيفة على مختلف المستويات، وشملت استدعاءات متكررة واستجوابات لصحفييها. تزامنت هذه التطورات مع حملة أوسع استهدفت وسائل الإعلام المستقلة في البلاد، مما يشير إلى نمط منهجي للحد من حرية الصحافة وتقييد الأصوات المعارضة.
أكدت "هاشتاغ" أن قرار الحظر يمثل ذروة لسلسلة طويلة من التحديات والضغوط التي جعلت استمرار عملها داخل البلاد أمراً مستحيلاً من الناحية العملية. كان هذا الحظر بمثابة ضربة قاصمة لجهود الصحيفة في تقديم تغطية مستقلة وموضوعية للشأن السوري، وحرم القراء من مصدر موثوق للمعلومات. في ظل هذه الظروف الصعبة، كان ستة متطوعين فقط يحاولون إبقاء "هاشتاغ" عاملة، وهو ما يعكس التحديات الهائلة التي واجهتها الصحيفة في الحفاظ على كوادرها التشغيلية. هؤلاء المتطوعون بذلوا جهوداً كبيرة ومضنية للحفاظ على استمرارية الصحيفة ونشر محتواها، لكن القيود المتزايدة والبيئة المعادية جعلت مهمتهم شبه مستحيلة، وأثرت بشكل مباشر على قدرتهم على أداء مهامهم الصحفية بأمان. أثرت البيئة المعادية للصحافة المستقلة بشكل مباشر على قدرة "هاشتاغ" على أداء رسالتها الصحفية بحرية ومسؤولية، مما دفعها في النهاية إلى اتخاذ قرار الإغلاق. وقد اضطرت الصحيفة في النهاية إلى اتخاذ قرار إغلاق عملياتها في مواجهة هذه التحديات التي فاقت قدرتها على الصمود والاستمرار في العمل. كانت جهود المتطوعين دليلاً على الإصرار على مواصلة العمل الصحفي الحر، غير أن الظروف المحيطة تجاوزت قدرتهم على الصمود والاستمرار في العمل.
تداعيات الإغلاق على الصحافة المستقلة
عزت صحيفة "هاشتاغ" تعليق عملياتها إلى تزايد المخاطر التي يتعرض لها صحفيوها والقيود المتشددة المفروضة على وسائل الإعلام المستقلة في سوريا. واتهمت "هاشتاغ" وزارة الإعلام والمسؤولين المشرفين على قطاع الإعلام بأنهم قاموا فعلياً باستبعاد مطبوعة سورية مستقلة من العمل في بلدها، في خطوة اعتبرتها الصحيفة تقويضاً لحرية التعبير والصحافة. أكدت الصحيفة أن قرارها لم يكن نتيجة لإفلاس مالي، أو تراجع في أعداد القراء، أو أي انتهاك قانوني مثبت يمكن أن يبرر هذا الإغلاق، مشددة على أن الدوافع كانت مرتبطة بالضغوط السياسية الممنهجة.
وقد تعرض عدد من أعضاء "هاشتاغ" لإجراءات جنائية ظلت معلقة دون حل حتى سقوط حكومة بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، مما يعكس حجم التحديات القانونية والشخصية التي واجهوها خلال فترة عملهم. وعلى الرغم من ذلك التغيير السياسي الكبير الذي شهدته البلاد بسقوط الحكومة، اختارت "هاشتاغ" مواصلة العمل من داخل سوريا بعد سقوط الحكومة، مؤكدة التزامها بالبقاء في قلب الأحداث وتقديم تغطية من الداخل للشعب السوري. إلا أن الصحيفة صرحت في بيانها الختامي أنها لم تعد تستطيع أن تطلب من صحفييها المخاطرة بحريتهم أو سلامتهم الشخصية في ظل البيئة الحالية التي لا تزال تشكل تهديداً جدياً على عملهم، حتى بعد التغييرات السياسية الأخيرة. يعتبر إغلاق "هاشتاغ" خسارة كبيرة للمشهد الإعلامي السوري، حيث كانت تمثل صوتاً مستقلاً ومحايداً في زمن تندر فيه مثل هذه الأصوات التي تسعى إلى كشف الحقائق وتقديم تغطية موضوعية. يعكس هذا الإغلاق التحديات المستمرة التي تواجه الصحافة المستقلة في المناطق التي تشهد صراعات أو تحولات سياسية، حيث غالباً ما تكون وسائل الإعلام الحرة هي أول من يدفع الثمن في سبيل الحفاظ على مبادئها.