حذرت مذكرة سياسات، مبنية على نقاشات معمقة بين خبراء سوريين ودوليين، من أن عملية إعادة إعمار سوريا قد تؤدي، في حال عدم إدارتها بشكل فعال، إلى ترسيخ اللامساواة الإقليمية، وتكثيف الثروة في أيدي فئات محدودة، وتقويض مسار الانتقال السياسي الهش في البلاد. هذا التحذير جاء نتيجة لتحليل دقيق للواقع السوري المعقد، مع الأخذ في الاعتبار التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية القائمة. صدر هذا التقرير الهام، الذي يحمل عنوان "إعادة إعمار سوريا: التنقل بين الحقائق والفرص السياسية" ("Syria’s Reconstruction: Navigating Political Realities and Opportunities")، عن مبادرة حوارات السياسات السورية (Syria Policy Dialogues)، وهي مبادرة تهدف إلى تسهيل الحوارات المستنيرة حول مستقبل سوريا وتقديم رؤى عملية لصناع القرار. جاء إصدار التقرير عقب ورشة عمل متخصصة استمرت يومين، عُقدت في العاصمة السورية دمشق بتاريخ 16 و17 مايو 2026. نظمت ورشة العمل هذه من قبل "ذا سوريا ريبورت" (The Syria Report) بالتعاون مع مركز عمران للدراسات الاستراتيجية (Omran Center for Strategic Studies)، مما يضفي على النتائج مصداقية كبيرة ويؤكد على منهجية البحث الشاملة التي اعتمدتها المذكرة. أجمع المشاركون في الورشة بشكل واسع على أن سوريا لا تزال تمر بمرحلة متداخلة ومعقدة تجمع بين التعافي المبكر وجهود إعادة الإعمار الأولية، مما يتطلب مقاربة شاملة ومتعددة الأوجه تأخذ في الاعتبار جميع الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والسياسية.
حجم الدمار والتكاليف الهائلة لإعادة الإعمار
أدت سنوات الصراع الطويلة والمدمرة في سوريا إلى تدمير واسع النطاق، حيث دُمر ما يقرب من ثلث رصيد رأس المال السوري الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب. هذا الدمار لم يقتصر على البنية التحتية فحسب، بل شمل أيضاً القدرات الإنتاجية والموارد الاقتصادية للبلاد. وتُقدر الأضرار المادية المباشرة الناجمة عن النزاع بنحو 108 مليارات دولار أمريكي، وهو رقم يعكس حجم الخراب الذي لحق بالبنية التحتية والممتلكات العامة والخاصة على حد سواء. هذه التقديرات تستند إلى بيانات وتحليلات دقيقة للأضرار الملحقة بالمباني والطرق والجسور والمرافق الحيوية الأخرى. وتشير التقديرات المتحفظة لتكاليف إعادة الإعمار إلى 216 مليار دولار، مع نطاق محتمل يتراوح بين 140 مليار دولار و345 مليار دولار، مما يبرز التحدي المالي الهائل الذي يواجه البلاد ويتطلب تضافر جهود دولية ومحلية غير مسبوقة.
فيما يتعلق بالخسائر الاقتصادية الإجمالية، والتي تشمل الناتج المفقود والأضرار التي لحقت بالقدرات البشرية والمؤسسية، تُقدر هذه الخسائر بحوالي 800 مليار دولار، مما يعكس الأثر الكارثي للصراع على الاقتصاد والمجتمع السوري على المدى الطويل. هذه الخسائر تشمل تدهور رأس المال البشري، ونزوح الكفاءات، وتدمير المؤسسات الاقتصادية والتعليمية. وقد انكمش الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بنسبة 53 في المئة بين عامي 2010 و2022، مما أثر بشكل مباشر على مستويات المعيشة والقدرة الشرائية للمواطنين وأدى إلى تدهور حاد في الظروف المعيشية. كما فقدت الليرة السورية 99 في المئة من قيمتها قبل الحرب، مما أدى إلى تضخم جامح وتدهور اقتصادي غير مسبوق جعل من الصعب على الأسر تلبية احتياجاتها الأساسية. نتيجة لذلك، يعيش حوالي 90 في المئة من السوريين تحت خط الفقر، مما يشير إلى أزمة إنسانية واقتصادية عميقة تتطلب استجابة عاجلة وشاملة. وتتطلب الأوضاع الإنسانية الراهنة أن يحتاج 16.7 مليون شخص إلى مساعدة إنسانية عاجلة، وهو ما يمثل غالبية السكان ويعكس حجم الأزمة الإنسانية التي تعيشها البلاد.
تحديات البنية التحتية والمؤسسات المالية
قبل النزاع، كان ما بين 30 و40 بالمئة من المخزون السكني السوري يقع في مناطق غير رسمية أو غير منظمة، مما يضيف طبقة إضافية من التعقيد لأي جهود لإعادة الإعمار، حيث تتطلب هذه المناطق مقاربات خاصة لمعالجة قضايا الملكية والتخطيط العمراني. وقد ذكرت المصادر أن العديد من البنوك العامة تعمل تحت ضغوط مالية وتشغيلية شديدة، مما يعيق قدرتها على دعم جهود إعادة الإعمار وتمويل المشاريع الضرورية، ويحد من قدرتها على تقديم القروض والخدمات المالية اللازمة. وقدر أحد المشاركين في ورشة العمل أن البلاد قد تواجه صعوبة في نشر ما يصل إلى 3 مليارات دولار بكفاءة في ظل الظروف الراهنة، مما يسلط الضوء على القيود المؤسسية والتشغيلية التي تعيق تدفق واستخدام الأموال بفعالية ويؤكد على الحاجة الماسة لإصلاحات هيكلية. كما حذرت المذكرة من أن أي تأخير إضافي في وضع القواعد الوطنية الواضحة والشفافة يمكن أن يؤدي إلى أنماط لا رجعة فيها لاستخدام الأراضي، وملكية الممتلكات، والتنمية الاقتصادية، مما يجعل من الصعب تصحيح المسار في المستقبل ويخلق تحديات قانونية واجتماعية جديدة.
مقترحات لآلية وطنية فعالة للتنسيق
اقترح بعض المشاركين إنشاء لجنة مستقلة لإعادة الإعمار تتمتع بسلطة شاملة عبر مختلف الهيئات الحكومية لضمان التنسيق الفعال وتجاوز البيروقراطية، مما يضمن سرعة اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع. ودعت المذكرة إلى تأسيس آلية وطنية لتنسيق إعادة الإعمار تتمتع بسلطة تمتد عبر الوزارات المختلفة، مؤكدة على ضرورة وجود هيكل مركزي قوي وفعال لتوجيه الجهود وتوحيد الرؤى وتجنب الازدواجية في العمل. كما طالبت المذكرة بوضع خطة شاملة لإعادة الإعمار تتضمن أولويات قطاعية وجغرافية واضحة، بهدف توجيه الموارد بشكل استراتيجي وفعال نحو المناطق والقطاعات الأكثر احتياجاً، مع الأخذ في الاعتبار التوزيع العادل للمشاريع والفوائد.
دعت المذكرة بقوة إلى تعزيز دور الحكومات المحلية، مشيرة إلى أهميتها البالغة في تنفيذ المشاريع على أرض الواقع وضمان تلبية الاحتياجات المجتمعية بشكل مباشر وفعال، وذلك لقربها من المواطنين ومعرفتها الدقيقة بالظروف المحلية. وتضمنت التوصيات أيضاً ضرورة إصلاح قوانين الملكية والاستثمار لتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية وحماية حقوق الملكية بشكل عادل وشفاف، مما يشجع على عودة رؤوس الأموال ويبني الثقة في النظام القانوني. كما أكدت المذكرة على أهمية توفير الحماية للإسكان الميسور التكلفة والأراضي الزراعية، وذلك لمنع النزوح القسري والحفاظ على سبل العيش المستدامة للمجتمعات المحلية، وضمان الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. طالبت المذكرة باتخاذ تدابير فعالة لتحقيق استقرار القطاع المصرفي، الذي يُعد ركيزة أساسية لأي عملية إعادة إعمار شاملة وناجحة، وضمان قدرته على دعم النمو الاقتصادي وتوفير التمويل اللازم للمشاريع.
دور الشركاء الدوليين في دعم الاستقرار
أظهرت دول الخليج اهتماماً متزايداً بقطاعات حيوية في سوريا، تشمل البنية التحتية، والاتصالات، والطيران، والخدمات اللوجستية، والعقارات، مما قد يمثل فرصة لجذب الاستثمارات الضرورية لإعادة بناء البلاد وتنشيط اقتصادها. وحثت المذكرة الشركاء الدوليين على مواءمة مساعداتهم مع مسار الانتقال السياسي في سوريا بدلاً من الالتزام بالجداول الزمنية الخاصة بالجهات المانحة، مؤكدة على أهمية تكييف الدعم مع الاحتياجات والظروف المحلية لضمان فعاليته واستدامته. كما دعت المذكرة الشركاء الدوليين إلى توسيع نطاق الدعم الفني المقدم لسوريا، لتعزيز القدرات المؤسسية والبشرية اللازمة لعملية إعادة الإعمار، بما في ذلك بناء القدرات في التخطيط والإدارة وتنفيذ المشاريع.
وشددت المذكرة على ضرورة أن يعالج الشركاء الدوليون قضية الامتثال المفرط في القطاع المصرفي، الذي يعيق تدفق المساعدات والاستثمارات الحيوية إلى البلاد، مما يؤثر سلباً على جهود التعافي ويحد من قدرة المنظمات الإنسانية والشركات على العمل. حثت المذكرة الشركاء الدوليين على تطوير آليات تأمين الاستثمار وأدوات تخفيف المخاطر لتشجيع المشاركة الفعالة للقطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية في عملية إعادة الإعمار، وذلك لتوفير بيئة استثمارية آمنة وجاذبة. ودعت المذكرة أيضاً الشركاء الدوليين إلى تنسيق المساعدات بشكل أفضل لتجنب الازدواجية والمنافسة الجيوسياسية في جهود إعادة الإعمار، وضمان أقصى قدر من الفعالية والكفاءة في استخدام الموارد المتاحة وتحقيق أفضل النتائج الممكنة للشعب السوري.