أعلنت وزارة الداخلية السورية نتائج حملة واسعة لمكافحة الإرهاب استمرت ثلاثة أشهر، كشفت عن تفكيك شبكات إرهابية واعتقال عدد كبير من المشتبه بهم. جاء هذا الإعلان من الوزارة ليسلط الضوء على الجهود الأمنية المكثفة التي تبذلها سوريا لمواجهة التهديدات الإرهابية المتواصلة. نفذت هذه العملية الأمنية المشتركة من قبل جهاز الاستخبارات العامة ومديرية مكافحة الإرهاب التابعة للوزارة، مما يعكس التنسيق العالي بين مختلف الأجهزة الأمنية في البلاد. أسفرت العملية عن إلقاء القبض على 235 عنصراً من تنظيم ISIS (داعش) في عدة محافظات سورية، مؤكدة على انتشار نشاط التنظيم في مناطق متفرقة. شملت الاعتقالات مناطق حيوية ومتفرقة، بما في ذلك العاصمة دمشق، بالإضافة إلى محافظات دير الزور وحمص وحماة وحلب، مما يدل على النطاق الجغرافي الواسع للحملة الأمنية. وتُعد هذه العملية الأكبر من نوعها بعد حقبة الأسد، في جهود الحكومة السورية لمواجهة النشاط الإرهابي داخل أراضيها وتعزيز الاستقرار الداخلي.
تفاصيل الحملة الأمنية والاعتقالات
توزعت الاعتقالات على مدى الأشهر الثلاثة التي استغرقتها الحملة الأمنية، حيث بلغ عدد الموقوفين ذروته في شهر أبريل. في هذا الشهر، تم توقيف 99 شخصاً في إطار العملية الأمنية، مما يشير إلى تصاعد وتيرة العمليات الاستخباراتية والمداهمات. وشهد شهر مارس اعتقال 80 مشتبهاً بهم، في حين تم توقيف 56 شخصاً آخر في شهر مايو، مما يوضح الاستمرارية في جهود الملاحقة الأمنية. وشملت قائمة المعتقلين 198 مواطناً سورياً، مما يؤكد على أن التنظيم يعتمد على عناصر محلية ضمن شبكاته. تم القبض على 37 مقاتلاً أجنبياً كانوا ينشطون ضمن الشبكات الإرهابية التي استهدفتها الحملة، مما يسلط الضوء على البعد الدولي لتهديد داعش في سوريا.
وقد تمكنت القوات الأمنية خلال هذه العملية من مصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات والمواد اللوجستية التي كانت بحوزة العناصر الإرهابية، مما أحبط مخططات محتملة لشن هجمات. ونجحت الأجهزة الأمنية أيضاً في تفكيك خلية إرهابية كانت تخطط لتنفيذ هجوم على مقام السيدة زينب، وهو موقع ديني له أهمية كبيرة، مما يبرز طبيعة الأهداف التي يستهدفها التنظيم. كما ألقت قوات الأمن القبض على المجموعة المسؤولة عن التفجير الذي استهدف الكاتدرائية المريمية في حي الدويلة، الأمر الذي يمثل إنجازاً أمنياً مهماً في محاسبة المسؤولين عن الأعمال الإرهابية. وفي شهر مارس، نفذت القوات الأمنية حملة واسعة النطاق في شرق دير الزور أسفرت عن تفكيك العديد من شبكات الدعم المالي التي كانت تمول الأنشطة الإرهابية، مما يقطع أحد أهم شرايين الحياة للتنظيم ويحد من قدرته على الاستمرار في تنفيذ عملياته.
تراجع قدرات داعش الاستراتيجية
تشير التطورات الأخيرة إلى أن قيادة تنظيم داعش في سوريا تعاني من حالة تفتت عميق منذ عملية الانتقال السياسي في دمشق. وقد أدت هذه التغيرات إلى إضعاف البنية التنظيمية للتنظيم داخل البلاد، مما يحد من قدرته على التخطيط والتنفيذ للعمليات الكبرى. وتظهر التقييمات الأمنية أن القدرة العملياتية لتنظيم داعش في سوريا وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ سنوات عدة. ويعكس هذا التراجع الأثر المباشر للعمليات الأمنية المستمرة والضغط المتزايد على خلايا التنظيم، بالإضافة إلى فقدان التنظيم لقدرته على تجنيد أعداد كبيرة من المقاتلين.
وعلى الرغم من تراجع نفوذه في سوريا، تشير التقارير إلى أن التركيز الاستراتيجي لتنظيم داعش قد تحول نحو توسيع نفوذه في منطقة الساحل الأفريقي. ويتركز هذا التوسع بشكل خاص في دول مثل نيجيريا والنيجر ومالي، حيث يسعى التنظيم إلى استغلال حالة عدم الاستقرار في تلك المناطق لإعادة بناء قدراته وتوسيع قاعدة عملياته. وفي هذا السياق، ذكر تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية أن تنظيم داعش لم يعد يسيطر على مناطق واسعة جغرافياً في سوريا. ويؤكد هذا التقييم أن التنظيم فقد سيطرته الإقليمية التي كان يتمتع بها في السابق، مما يحد من قدرته على شن عمليات واسعة النطاق داخل الأراضي السورية ويجبره على الاعتماد على خلايا صغيرة ومتفرقة.
تقييمات دولية لقدرات الأمن السوري
سلط تقرير صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية في فبراير 2026 الضوء على التطور المستمر في قدرات سوريا الأمنية. أكد تقييم البنتاغون أن مؤسسات الأمن القومي المنشأة حديثاً في سوريا تكتسب قدرات عملياتية بوتيرة متسارعة، مما يعكس جدية الجهود المبذولة في هذا الصدد. يشير هذا التقييم إلى تحول في المشهد الأمني السوري، حيث تبذل دمشق جهوداً لترسيخ هياكلها الأمنية وتعزيز فعاليتها في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. تعكس هذه القدرات المتزايدة استثماراً في التدريب والتجهيز، وربما إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية لتمكينها من التعامل مع التهديدات المعاصرة بشكل أكثر كفاءة. كما أشار تقرير وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن تنظيم داعش لم يعد يحتفظ بسيطرة إقليمية واسعة داخل سوريا، وهو ما يتوافق مع التقييمات السورية لتراجع قدرات التنظيم.
يأتي هذا التطور في سياق جهود سوريا المستمرة لمكافحة الإرهاب، ويُظهر أن قدرات دمشق الأمنية لا تُقوَّم محلياً فقط، بل تحظى أيضاً بمراقبة وتحليل من قبل جهات دولية مثل وزارة الدفاع الأمريكية. ويعزز التقرير الفهم بأن سوريا تعمل على بناء مؤسسات قادرة على الحفاظ على الأمن والاستقرار داخل حدودها، مما يسهم في استعادة الدولة لسيادتها الكاملة. هذه التقييمات الدولية تكتسب أهمية خاصة في فهم الديناميكيات الإقليمية والدور الذي قد تلعبه سوريا في جهود مكافحة الإرهاب الأوسع نطاقاً، خاصة مع التحديات التي لا تزال قائمة في المنطقة وتتطلب تعاوناً دولياً.
سياق أمني إقليمي ودولي
في سياق متصل، انضمت سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي لهزيمة داعش (ISIS) في نوفمبر 2025، مما يعكس التزامها بالتعاون الإقليمي والدولي في مكافحة التنظيم. ويعد هذا الانضمام خطوة مهمة في الجهود المشتركة لمواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية. كما شهد الشهر الماضي تعاونًا أمنيًا بارزًا بين دمشق وأنقرة، حيث نفذت أجهزة المخابرات السورية والتركية عملية مشتركة أسفرت عن اعتقال عدد من عناصر تنظيم داعش على طول الحدود المشتركة بين البلدين. وتبرز هذه العملية التعاون المتزايد بين القوى الإقليمية لمكافحة الإرهاب، وتؤكد على أن التهديد الإرهابي يتطلب استجابة جماعية تتجاوز الحدود الوطنية. يمثل هذا التنسيق الإقليمي والدولي عنصراً حاسماً في استراتيجية مكافحة الإرهاب الشاملة، ويساهم في تضييق الخناق على التنظيمات المتطرفة وتعزيز الأمن الإقليمي.