بدأت الدنمارك تحولاً جذرياً في سياستها تجاه طالبي اللجوء عبر تبني نموذج "صفر لجوء" عام 2019. تهدف هذه الاستراتيجية إلى تقليص أعداد الوافدين الجدد إلى أدنى مستوياتها، مع التركيز على مراجعة تصاريح الإقامة الممنوحة للاجئين السوريين بشكل متكرر. اشتدت وتيرة هذه الإجراءات الحكومية بشكل ملحوظ طوال عام 2023، مما أدى إلى حالة من عدم اليقين القانوني والاجتماعي بين المقيمين السوريين في الدنمارك. تركزت هذه السياسة التي قادتها رئيسة الوزراء Mette Frederiksen على تغيير التقييمات الأمنية للمناطق السورية، لاعتبار أجزاء منها آمنة للعودة. أثرت هذه التحولات على استقرار العائلات والأفراد، حيث باتت قرارات إلغاء الإقامات أو رفض التجديد تشكل تحدياً يومياً يواجهه اللاجئون السوريون في مختلف المدن الدنماركية.
مركز كيرشوفيدغورد ومعاناة المحتجزين
يُعد مركز كيرشوفيدغورد (Kærshovedgård) للمغادرة منشأة احتجاز تقع في موقع سجن سابق، حيث تخصص السلطات الدنماركية هذا المكان لعزل طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم، بالإضافة إلى الأفراد الخاضعين لما يُعرف بـ "الإقامة المتسامح معها". يعمل المركز كأداة ضغط تهدف إلى دفع المقيمين فيه نحو المغادرة الطوعية من البلاد، وسط ظروف معيشية مقيدة تفرضها إدارة المركز على النزلاء.
قضى حسن عسكر ستة أشهر محتجزاً داخل هذا المركز. وعبر عسكر عن تجربته قائلاً: "بالنسبة لشخص عانى مرارة اللجوء، لا تكمن الصدمة الكبرى دائماً في إشعار رفض مفاجئ، بل في الاستنزاف المنهجي البطيء الذي يسببه الانتظار اللانهائي". ويشير هذا التصريح إلى الحالة النفسية التي يعيشها اللاجئون في ظل غياب أفق زمني واضح لأوضاعهم القانونية.
بدوره، أمضى أحمد قطليش عامين في مركز كيرشوفيدغورد للمغادرة. وفي معرض وصفه لحالة انعدام اليقين التي يعيشها النزلاء مقارنة بالسجناء الجنائيين، قال قطليش: "المجرم المدان يعرف تاريخ إطلاق سراحه، أما نحن فلا". يبرز هذا الاقتباس التباين في الوضع القانوني للاجئين الذين يواجهون إجراءات إدارية مفتوحة زمنياً دون وجود جدول زمني للبت في مصيرهم أو إمكانية الطعن الفعال في قرارات البقاء داخل المنشأة.
في سياق متصل، تتوسع الدنمارك في تبني توجهات سياسية تهدف إلى نقل مسؤولية معالجة طلبات اللجوء إلى خارج حدود الاتحاد الأوروبي. وتدعو الحكومة الدنماركية إلى إقامة مراكز عودة خارجية تتولى إدارة الملفات بعيداً عن الأراضي الأوروبية، كجزء من استراتيجيتها لتقليص أعداد الوافدين والسيطرة على حركة الهجرة. تثير هذه التوجهات مخاوف متزايدة لدى اللاجئين السوريين المقيمين في الدنمارك، الذين يواجهون بالفعل تحديات تتعلق بقرارات إلغاء الإقامات.
عبر أنس صهيون، وهو لاجئ سوري، عن حالة القلق التي تسود أوساط اللاجئين جراء هذه السياسات، متسائلاً: "هل سيُسمح لي بالبقاء هنا، أم أن السنوات التي بنيتها ستُمحى بقرار إداري جاف؟". يجسد هذا التساؤل جوهر الأزمة التي يعيشها المقيمون، حيث يرون أن تراكم سنوات حياتهم في الدنمارك مهدد بالإلغاء نتيجة تحولات إدارية لا تأخذ في الاعتبار الاستقرار الاجتماعي الذي حققوه. إن سياسة المركز، مقترنة بالتوجهات نحو مراكز العودة الخارجية، تضع اللاجئين في حالة من الترقب المستمر، حيث باتت القرارات الإدارية هي المحدد الأساسي لمصيرهم، بعيداً عن المعايير التي كانت تحكم طلبات اللجوء سابقاً.