قدم الخبير السويدي في الممارسات الأكاديمية واستراتيجيات الأعمال الدولية، أليكس ماترسون (Alex Matrsson)، رؤية شاملة لإعادة إعمار سوريا تركز على تسلسل منهجي لتعزيز الرفاه البشري والقدرات المؤسسية. يرى ماترسون أن إعادة الإعمار يجب أن تتقدم عبر سلسلة مترابطة تبدأ بالرفاه البشري، ثم تتطور إلى بناء القدرة البشرية، وتجديد المؤسسات، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز القوة الاقتصادية المحلية، وصولاً إلى الاندماج الإقليمي، ومن ثم تحقيق القدرة التنافسية والمرونة على الصعيد الدولي. هذا التسلسل يضمن بناء أسس قوية ومستدامة للتنمية، بعيداً عن الحلول المؤقتة.
ويشدد ماترسون على أن سوريا لا يجب أن تقارن مستقبلها بماضيها، بل ينبغي للممارسات العالمية الفضلى أن توفر المعيار لما هو ممكن تحقيقه. في هذا السياق، تحدد الحقائق السورية كيفية تكييف هذه المبادئ وتنفيذها وتملكها محلياً، مع الأخذ في الاعتبار الخصوصيات والتحديات التي تواجهها البلاد. يؤكد ماترسون أن الممارسات العالمية الفضلى يجب أن تمثل معياراً للمقارنة والقياس، وليس مخططاً جاهزاً يتم اتباعه حرفياً دون مراعاة الظروف المحلية. هذا النهج يضمن المرونة والفعالية في عملية إعادة الإعمار. وقد تم رصد هذه التصريحات، التي حظيت بـ 1244 مشاهدة، من قبل فريق تحرير UzDaily في 26 أغسطس 2026، الساعة 14:00.
أسس إعادة الإعمار: الإنسان والقدرات
تشكل الرفاهية البشرية حجر الزاوية في بناء القدرة البشرية، بحسب رؤية الخبير أليكس ماترسون. هذه العلاقة الأساسية تؤكد أن تحقيق الاستقرار والراحة للأفراد يمهد الطريق أمام تطوير إمكانياتهم وقدراتهم الكامنة، وهو ما يعد المدخل الأساسي لأي عملية تنموية مستدامة. إن الرفاه البشري يخلق الأساس للقدرة البشرية، وهو ما يعني أن تلبية الاحتياجات الأساسية للأفراد وتوفير بيئة مستقرة لهم هو الشرط المسبق لأي تقدم حقيقي في بناء قدراتهم.
وتتطلب القدرة البشرية مجموعة من المكونات المتكاملة والضرورية، تشمل التعليم الجيد الذي يفتح آفاق المعرفة، والمهارات المتخصصة التي تلبي احتياجات سوق العمل المتغيرة، والمعرفة المتجددة التي تضمن التكيف مع التطورات العالمية. كما تشمل بناء الشبكات المهنية والاجتماعية التي تعزز التفاعل وتبادل الخبرات، بالإضافة إلى توفير فرص الوصول العادل إلى هذه الموارد لجميع أفراد المجتمع. هذه العناصر مجتمعة تساهم في تمكين الأفراد من تحقيق إمكاناتهم الكاملة والمشاركة بفعالية وإيجابية في بناء مجتمعاتهم واقتصادهم.
وفي سياق الأزمات والكوارث، لا غنى عن المساعدات الإنسانية عندما يواجه الناس حرمانًا حادًا يهدد حياتهم ووجودهم. ومع ذلك، يشدد ماترسون على أن الهدف طويل الأمد يجب أن يكون تمكين الأفراد ومنحهم القدرة على اتخاذ القرارات والتحكم في حياتهم ومستقبلهم، بدلاً من الاعتماد المستمر على المساعدة الخارجية التي قد تؤدي إلى تبعية. هذا التحول من المساعدة إلى التمكين يمثل جوهر رؤيته لإعادة الإعمار، حيث يجب أن تكون المساعدات الإنسانية ضرورية في أوقات الحرمان الشديد، لكن الهدف الأسمى هو تحقيق "الوكالة" (agency) للأفراد، أي قدرتهم على الفعل والتأثير في حياتهم.
ويتجاوز التمكين الاقتصادي مجرد توفير فرص العمل التقليدية. فهو يشمل القدرة على بدء الأعمال التجارية الخاصة، وامتلاك الأصول التي تزيد من الاستقرار المالي، والحصول على التمويل اللازم لبدء أو توسيع المشاريع، واكتساب المهارات الجديدة التي تفتح آفاقاً أوسع للنمو والابتكار. كما يتضمن المشاركة الفعالة في الأسواق المحلية والدولية، والدخول في شبكات مهنية داعمة، وبناء مشاريع قابلة للنمو والتوسع، مما يعزز الاستقلالية الاقتصادية للأفراد والمجتمعات على حد سواء.
وفي هذا الإطار، تُعد الأمن الغذائي قضية متعددة الأوجه والمعقدة، فهي في الوقت نفسه مسألة صحية حيوية تؤثر على رفاه الأفراد البدني والعقلي، ومسألة إنتاجية تؤثر على القدرة على العمل والتعلم والتطور. كما أنها قضية مالية منزلية تؤثر على استقرار الأسر وقدرتها على تلبية احتياجاتها الأساسية، وقضية مرونة وطنية تعزز قدرة الدولة على الصمود في وجه التحديات والأزمات المستقبلية.
أما فيما يخص إعادة بناء المساكن، فيجب أن تتجاوز مجرد توفير المأوى الأساسي. يؤكد ماترسون على أهمية إنشاء مجتمعات عاملة ومتكاملة تكون متصلة بشكل فعال بفرص العمل المتاحة، والمدارس لتعليم الأجيال الجديدة، والرعاية الصحية لضمان صحة السكان، ووسائل النقل التي تسهل التنقل، والمرافق الأساسية كالماء والكهرباء والصرف الصحي، بالإضافة إلى دمجها في النشاط الاقتصادي المحلي لضمان استدامتها وازدهارها. هذا النهج يضمن تكامل المجتمعات الجديدة ويوفر لسكانها بيئة مستدامة للنمو والازدهار على المدى الطويل.
تجديد المؤسسات والبنية الاقتصادية
تدعم المؤسسات القوية والشفافة النشاط الاقتصادي المنتج، وتخلق الأعمال المنتجة بدورها فرص العمل المستدامة، وتوفر الدخل للأفراد، وتحفز الابتكار، وتزيد من القدرة الضريبية للدولة. هذا الترابط الوثيق يبرز الأهمية القصوى لوجود إطار مؤسسي قوي وفعال لضمان تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة في سوريا.
يجب التعامل مع الجامعات ومؤسسات التعليم العالي كبنية تحتية وطنية حيوية للقدرات البشرية وجزء أساسي لا يتجزأ من نظام المعرفة في البلاد. يجب أن تُعامل هذه المؤسسات كأصول استراتيجية تساهم في البحث والتطوير، وتخريج الكفاءات، وبناء الجسور مع الخبرات العالمية، مما يدعم التعافي الاقتصادي وإعادة البناء الشامل.
ينبغي أن يميز إعادة الإعمار بين الحفاظ على المعرفة المؤسسية القيمة والخبرات المتراكمة التي يمكن أن تفيد المستقبل، وبين افتراض أن كل هيكل موروث يستحق البقاء لمجرد وجوده. هذا التمييز النقدي يتيح التخلص من الهياكل غير الفعالة والبيروقراطية التي تعيق التقدم، مع الاحتفاظ بالخبرات والأنظمة التي يمكن أن تساهم إيجابياً في بناء مستقبل أفضل.
يجب أن تكون سوريا بعد التجديد المؤسسي مكاناً تتسم فيه المؤسسات بالقدر الكافي من القدرة على التنبؤ والشفافية، مما يسمح للأفراد والشركات بالتخطيط لمستقبلهم بثقة وأمان. استقرار هذه المؤسسات ووضوح آليات عملها يبعث على الثقة ويشجع على الاستثمار المحلي والأجنبي، مما يدفع عجلة النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
تحتاج ريادة الأعمال إلى نظام بيئي متكامل ومحفز يشمل التنظيمات الواضحة والقابلة للتنبؤ، وحقوق الملكية المحمية والواضحة، والوصول السهل إلى التمويل، والعمالة الماهرة والمدربة، والبنية التحتية الموثوقة كالطرق والاتصالات، والأسواق الفعالة التي تضمن المنافسة العادلة، والجمارك الشفافة التي تسهل التجارة، والقدرة على الدخول في سلاسل التوريد المحلية والدولية. هذه المكونات حيوية لتمكين الشركات الجديدة من النمو والازدهار والمساهمة في الاقتصاد.
يجب أن تصبح الإنتاجية هي السؤال الاقتصادي المركزي لسوريا. التركيز على زيادة الكفاءة وتحسين الأداء في جميع القطاعات الاقتصادية، من الزراعة إلى الصناعة والخدمات، سيكون عاملاً حاسماً في تحقيق الانتعاش الاقتصادي المستدام والقدرة على المنافسة.
التنافسية الإقليمية والدولية
شدد أليكس ماترسون، الخبير السويدي في الممارسات الأكاديمية واستراتيجيات الأعمال الدولية، على ضرورة إشراك الشباب في عملية تصميم المؤسسات، لا مجرد توظيفهم فيها. يرى ماترسون أن هذه المشاركة الفعالة للشباب تضمن أن تكون الهياكل الجديدة مستجيبة لاحتياجات الأجيال الصاعدة، وقادرة على التكيف مع التحديات المستقبلية، ومستفيدة من طاقتهم الإبداعية.
تتطلب القدرة التنافسية الدولية انضباطاً صارماً، لأن الأسواق العالمية لا تكافئ النوايا الحسنة، بل تكافئ القيمة الحقيقية، والموثوقية في الأداء، والجودة العالية للمنتجات والخدمات، والإنتاجية الفعالة، والقدرة على تلبية المعايير الدولية الصارمة. أوضح ماترسون قائلاً: "تتطلب القدرة التنافسية الدولية انضباطاً لأن الأسواق العالمية لا تكافئ النوايا. إنها تكافئ القيمة، والموثوقية، والجودة، والإنتاجية، والقدرة على تلبية المعايير. وهذا يعني أن الشركات السورية ستحتاج إلى الوصول إلى التكنولوجيا الحديثة، والخبرة الإدارية المتطورة، والتمويل الكافي، والعمالة الماهرة والمدربة، والمعرفة العميقة بالأسواق الدولية، والشبكات المهنية القوية". وأشار ماترسون إلى أن "للجامعات دوراً حيوياً في توفير هذه القدرات، من خلال البحث والتطوير، وتخريج الكفاءات، وبناء الجسور مع الخبرات العالمية". يعكس هذا التركيز على الانضباط والجودة حاجة سوريا إلى تبني معايير عالمية لضمان مكانتها في الاقتصاد العالمي بعد إعادة الإعمار، وتحقيق الازدهار المستدام.