الدكتور عبد الحميد عاقل الأواك رئيساً لمجلس الشعب السوري في مرحلة انتقالية: قيادة جديدة لبرلمان ما بعد الأسد

In exile, Awak became a prominent legal and academic voice within the Syrian opposition.
الصورة عبر Syrianobserver

دمشق، سوريا - انتخب الدكتور عبد الحميد عاقل الأواك رئيساً لمجلس الشعب السوري، في أول برلمان تشهده البلاد منذ سقوط نظام بشار الأسد. هذا التطور التاريخي جاء خلال الجلسة الافتتاحية للمجلس التي عقدت في الثاني عشر من يوليو 2026، والتي شهدت حضوراً رفيع المستوى وتأدية الأعضاء اليمين الدستورية إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في الحياة السياسية السورية، ومُعلنةً نهاية حقبة طويلة من الحكم الشمولي في سوريا.

وقد حضر الجلسة الافتتاحية الرئيس أحمد السحرا وعدد من الوزراء الكبار، مما يعكس الأهمية التي توليها القيادة الجديدة لهذه المؤسسة التشريعية التي تمثل نبض الشعب السوري. من بين الحاضرين البارزين كان وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية أنس خطاب، اللذان شاركا في هذه اللحظة المفصلية التي شهدت تأدية أعضاء المجلس اليمين الدستورية، إيذاناً ببدء مهامهم التشريعية والرقابية. وقد ألقى الرئيس السحرا كلمة بهذه المناسبة، دعا فيها الأعضاء إلى "جعل البرلمان منبراً للعدالة والحقيقة وتعزيز الحوار وسيادة القانون واحترام المؤسسات"، مؤكداً على أن هذه المبادئ هي أساس بناء الدولة السورية الحديثة. يمثل انتخاب الأواك خطوة مهمة في المشهد السياسي السوري الجديد، في أعقاب التغيرات الجذرية التي شهدتها البلاد بعد عقود من الحكم الشمولي الذي قوض المؤسسات الديمقراطية.

مسيرة الأواك المهنية والقانونية: أساس متين للقيادة التشريعية

وُلد عبد الحميد عاقل الأواك عام 1966 في حي غويران بمدينة الحسكة، وهي منطقة معروفة بتنوعها الثقافي والاجتماعي، مما منحه فهماً عميقاً لتركيبة المجتمع السوري. بدأت مسيرته الأكاديمية مبكراً بدراسة القانون، وهو التخصص الذي سيشكل حجر الزاوية في مسيرته المهنية والسياسية التي قادته إلى رئاسة أول برلمان سوري بعد سقوط النظام السابق. التحق الأواك بجامعة حلب، إحدى أعرق الجامعات السورية وأكثرها تميزاً، حيث تخصص في القانون، وتخرج منها في عام 1990، ليضع بذلك أولى خطواته في المجال القانوني الذي سيخدمه لاحقاً في بناء المؤسسات الديمقراطية لدولة حديثة وعادلة.

لم يكتفِ الدكتور الأواك بشهادته الجامعية الأولى، بل واصل مسيرته التعليمية العليا بهدف تعميق فهمه للقانون والإدارة، إيماناً منه بأن التخصص الدقيق هو مفتاح التميز والقيادة. حصل على دبلوم في القانون العام، ثم درجة الماجستير في القانون الإداري من الجامعة الإسلامية في لبنان عام 2009، مما عزز من تخصصه في الجوانب الإدارية والقانونية التي تعتبر أساسية لإدارة الدولة الحديثة بكفاءة وشفافية. كما أكمل دراسته العليا في القانون الدستوري، حيث نال شهادة الدكتوراه من جامعة بيروت العربية، وهي مرحلة أكاديمية مهمة أثرت رؤيته للأنظمة السياسية. هذا التخصص في القانون الدستوري يشير إلى اهتمامه العميق بالأسس الدستورية للدول وتصميم الأطر القانونية التي تحكم العلاقة بين السلطات والمواطنين، وهو ما يتجلى اليوم في رؤيته لبناء سوريا الجديدة على أسس دستورية صلبة.

بدأ الأواك مسيرته المهنية العملية بالعمل في قسم الشؤون القانونية التابع لمديرية حوض دجلة والخابور، وهي هيئة حكومية معنية بإدارة الموارد المائية الحيوية في المنطقة الشرقية من سوريا، مما أكسبه خبرة عملية في التعامل مع القضايا الإدارية والقانونية ذات الصلة بالموارد الطبيعية. استمر في هذا المنصب من عام 1993 حتى عام 1998، حيث اكتسب خبرة عملية قيمة في تطبيق القانون ضمن إدارة الموارد المائية، مما منحه فهماً عميقاً لكيفية عمل المؤسسات الحكومية وتحدياتها اليومية. هذه التجربة العملية المبكرة ساهمت في صقل مهاراته القانونية والإدارية.

بعد هذه الفترة، انضم الدكتور الأواك إلى السلك القضائي السوري، وتدرج في المناصب بثبات، مما يعكس كفاءته ونزاهته والتزامه بالعدالة. وصل إلى درجة مستشار ضمن وزارة العدل، وهو منصب رفيع يشير إلى خبرته القضائية الواسعة وتقييم أدائه المتميز داخل المنظومة القضائية السورية. هذه الخلفية القضائية تمنحه رؤية فريدة حول أهمية سيادة القانون واستقلالية القضاء، وهما مبدآن أساسيان يدعو إليهما بشدة ويعتبرهما حجر الزاوية في بناء دولة حديثة.

إلى جانب عمله القضائي، كان للأواك نشاط أكاديمي ملحوظ، حيث قام بالتدريس في كلية الحقوق بجامعة الفرات، وهي جامعة أخرى تقع في المنطقة الشرقية من سوريا، مما يدل على حرصه على نقل المعرفة القانونية للأجيال القادمة. هذا الدور التعليمي يدل على مساهمته في تعليم الأجيال الجديدة من القانونيين وتشكيل عقولهم القانونية، وتزويدهم بالمعرفة اللازمة لخدمة مجتمعهم. وفي خطوة لاحقة، انضم الدكتور عبد الحميد عاقل الأواك إلى جامعة ماردين أرتوكلو في تركيا، وبدأ بالعمل فيها اعتبارًا من عام 2016، مواصلاً بذلك مساهماته الأكاديمية والبحثية في مجال القانون على الصعيد الإقليمي والدولي، وموسعاً نطاق تأثيره الفكري.

مواقف الأواك خلال الأزمة السورية: رفض الظلم ودعم الانتقال الديمقراطي

تتجلى مبادئ الدكتور عبد الحميد عاقل الأواك وقيمه الأخلاقية بوضوح خلال الأزمة السورية التي بدأت في عام 2011، حيث اتخذ مواقف شجاعة أظهرت التزامه بالعدالة وحقوق الإنسان. بعد بدء الانتفاضة الشعبية، رفض الأواك إصدار أوامر باحتجاز المتظاهرين، وهو موقف شجاع يعكس التزامه بحقوق الإنسان وسيادة القانون حتى في أحلك الظروف وأكثرها قمعاً. هذا الرفض كان بمثابة إعلان واضح عن عدم موافقته على الممارسات القمعية التي كانت تجري آنذاك، وتأكيداً على ضميره المهني والأخلاقي.

نتيجة لمواقفه، غادر الأواك سوريا في عام 2014، واستقر في تركيا، حيث عاش فترة المنفى التي لم تثنه عن مواصلة العمل من أجل وطنه. وخلال هذه الفترة الصعبة، لم يتوقف عن العمل من أجل مستقبل سوريا، مستغلاً خبراته القانونية لدعم قضايا الشعب السوري. عمل الأواك مستشاراً قانونياً لدى وحدة دعم الاستقرار (Stabilisation Support Unit)، وهي منظمة تهدف إلى دعم جهود الاستقرار في المناطق المتأثرة بالنزاعات، مقدماً بذلك استشارات قانونية حيوية. كما تم تعيينه عضواً في اللجنة الدستورية السورية، ممثلاً عن هيئة التفاوض السورية، وهي خطوة أكدت دوره المحوري في صياغة مستقبل البلاد الدستوري، ومشاركته الفعالة في الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي للأزمة. ومع ذلك، انسحب الأواك من اللجنة الدستورية السورية في عام 2018، وهو قرار قد يكون مرتبطاً بموقفه الرافض للمحاصصة السياسية أو عدم تحقيق التقدم المأمول في تلك المرحلة، مما يعكس تمسكه بالمبادئ.

عاد الأواك إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، حاملاً معه خبرته ورؤيته لمستقبل البلاد، ومفعماً بالأمل في بناء سوريا جديدة. في البداية، تولى رئاسة كلية الحقوق في جامعة حلب بصفة مؤقتة، مساهماً في إعادة بناء المؤسسات الأكاديمية التي تضررت خلال سنوات النزاع. وفي مارس 2025، عينه الرئيس أحمد السحرا (Ahmed Sal-haraa) لقيادة اللجنة المسؤولة عن صياغة الإعلان الدستوري الذي يحكم الفترة الانتقالية، وهي مهمة بالغة الأهمية تتطلب خبرة دستورية وقانونية عميقة، وتضع على عاتقه مسؤولية كبيرة في تحديد مسار البلاد المستقبلي. هذا التعيين يبرز الثقة الكبيرة التي يضعها الرئيس السحرا في قدرات الأواك على قيادة هذه المرحلة الانتقالية الحساسة بنجاح وحكمة.

تفاصيل الانتخابات وتطلعات المجلس الجديد: بناء دولة المواطنة والكفاءة

انتخاب الدكتور عبد الحميد عاقل الأواك رئيساً لمجلس الشعب السوري لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل كان تتويجاً لمسيرة طويلة من الالتزام بالمبادئ الديمقراطية والقانونية، وتأكيداً على ثقة أعضاء المجلس في قدرته على قيادة هذه المرحلة. حصل الأواك على 99 صوتاً من أصل 206 أصوات تم الإدلاء بها لمنصب رئيس المجلس، مما يعكس دعماً كبيراً لشخصيته التوافقية ورؤيته للمستقبل، ويؤكد على مكانته بين النواب.

في المقابل، حصل مؤيد هايل القبلاوي على 75 صوتاً لمنصب رئيس المجلس، بينما نال محمد رامز كراج 31 صوتاً. وقد تضمنت عملية الاقتراع وجود ورقة اقتراع واحدة فارغة لمنصب الرئيس، مما يشير إلى دقة العملية الانتخابية وشفافيتها ونزاهتها. هذه الأرقام توضح التنافس الذي جرى على المنصب، وتؤكد أن الأواك حظي بأغلبية واضحة بين أعضاء المجلس، مما يمنحه شرعية قوية لقيادة هذه المؤسسة التشريعية.

يدعو الدكتور عبد الحميد عاقل الأواك إلى بناء دولة تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية والكفاءة المهنية، وهي رؤية تهدف إلى تجاوز الانقسامات التاريخية وبناء مجتمع موحد ومتراص، حيث يكون الولاء للوطن وليس للطائفة أو العرق. ويرفض الأواك صيغ المحاصصة السياسية المستندة إلى الهوية الطائفية أو العرقية، مؤكداً أن هذه الممارسات لا تخدم سوى تقسيم المجتمع وإعاقة التقدم والنهوض بالبلاد. كما يدافع الدكتور الأواك بقوة عن استقلالية البرلمان والقضاء في سوريا، معتبراً إياهما ركيزتين أساسيتين لأي نظام ديمقراطي حقيقي يسعى لتحقيق العدالة والمساواة. هذه المبادئ تعكس إيمانه الراسخ بدولة المؤسسات وسيادة القانون، التي تحمي حقوق الجميع.

يبدأ المجلس الجديد عمله في بلد يشهد مرحلة انتقالية دقيقة وحاسمة، بعد عقود من حكم الحزب الواحد والدكتاتورية الفردية، بالإضافة إلى حرب مدمرة تركت آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. هذه الظروف تضع على عاتق المجلس ورئيسه مسؤولية تاريخية لإعادة بناء الدولة والمجتمع، وتجاوز تحديات الماضي لبناء مستقبل أفضل.

يُنظر إلى الأواك على نطاق واسع كشخصية توافقية قادرة على جمع الأطراف المختلفة، وهو أمر بالغ الأهمية في بلد يعاني من انقسامات عميقة، ويحتاج إلى قيادة حكيمة توحد الصفوف. خبرته القانونية والأكاديمية، إلى جانب مواقفه المبدئية خلال الأزمة، تجعله مرشحاً مثالياً لقيادة هذه المرحلة، بما يمتلكه من رؤية وخبرة. ويفضل الدكتور الأواك تشكيل جمعية تأسيسية منتخبة يعقبها استفتاء شعبي على دستور دائم للبلاد، لضمان مشاركة الشعب في صياغة مستقبله. هذه الرؤية الدستورية تهدف إلى إشراك الشعب السوري بشكل مباشر في صياغة مستقبله، وتضمن شرعية الدستور الجديد واستقراره على المدى الطويل. وتمثل هذه التوجهات رؤية واضحة للمستقبل السياسي، مع التركيز على بناء مؤسسات قوية وشفافة تكون قادرة على خدمة جميع السوريين دون تمييز، وتكريس مبدأ المواطنة الحقيقية.

إن انتخاب الدكتور عبد الحميد عاقل الأواك رئيساً لمجلس الشعب السوري يمثل بداية عهد جديد من العمل البرلماني في سوريا، يرتكز على مبادئ العدالة والمساواة وسيادة القانون، ويسعى إلى بناء دولة حديثة تلبي تطلعات الشعب السوري نحو الديمقراطية والاستقرار والازدهار، وتفتح صفحة جديدة في تاريخ البلاد.