صندوق ثروة سوريا السيادي: عام من الوعود المعلنة وغياب التفاصيل المالية

يدخل صندوق الثروة السيادي السوري عامه الثاني دون الكشف عن تفاصيل مالية رئيسية، وذلك بعد عام من إطلاق مبادرات ووعود لم تُترجم إلى تنفيذ واسع النطاق. تُظهر التطورات أن معظم المشاريع المعلنة لا تزال في مرحلة التخطيط أو الترويج للاستثمار، مع غياب أي مؤشرات على انتقالها إلى مرحلة التنفيذ على نطاق واسع حتى الآن. لم يتم الإفصاح عن الحجم الفعلي للأصول المدارة، أو مصادر تمويل الصندوق، أو العوائد التي حققها منذ تأسيسه. لم تُنشر أي تقارير مالية دورية توضح حجم الأصول المدارة، أو قيمة العوائد، أو حجم الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ، أو نتائج عملياته خلال عامه الأول. هذه المطالبات بعدم الإفصاح عن التفاصيل المالية الرئيسية تشمل عدم الكشف عن الحجم الفعلي للأصول المدارة من قبل الصندوق، ومصادر تمويله، والعوائد التي حققها منذ تأسيسه. كما أنه لم يتم نشر أي تقارير مالية دورية توضح حجم الأصول المدارة، أو قيمة العوائد، أو حجم الاستثمارات التي دخلت حيز التنفيذ، أو نتائج عملياته خلال عامه الأول.

إنجازات السنة الأولى ومشاريع قيد التخطيط

خلال عامه الأول، أطلق الصندوق السيادي السوري موقعه الإلكتروني الرسمي. كما عمل على الترويج لفرص استثمارية متعددة شملت مشروع فندق "سنترو" (Centro Hotel) في منطقة المزة بدمشق، وخطط تطوير أندية الضباط في اللاذقية، بالإضافة إلى مشاريع مثل "تلال دمشق" (Damascus Hills)، "مينا عمريت" (Mina Amrit)، و"مرسى شمس" (Marsa Shams).

وتضمنت المشاريع التي روج لها الصندوق أيضاً مدينة "دمشق الجديدة" (New Damascus)، وهي مدينة متعددة الاستخدامات مخطط لها على طول جانبي طريق دمشق-بيروت، تمتد من أوتوستراد المزة وصولاً إلى صبورة. يغطي هذا المشروع مساحة تصل إلى ثلاثة وثلاثين مليون متر مربع. ويقدر الاستثمار المطلوب لمشروع دمشق الجديدة بما يتراوح بين أربعين وخمسين مليار دولار أمريكي، منها سبعة مليارات وستمئة مليون دولار مخصصة للبنية التحتية.

من بين المشاريع الكبيرة الأخرى التي عرضها الصندوق مشروع "لاذقية أد ماري" (Laodicea Ad Mare)، والذي يمتد على مساحة أحد عشر مليوناً ونصف المليون متر مربع بين منطقتي البصة والصنوبر جنوب اللاذقية. وقد بدأ الصندوق في تأسيس أو إدارة شركات متخصصة، منها شركة "سرح القابضة" (Sarh Holding) وشركة "كنوز الشام للتعدين والاستثمار" (Kunooz al-Sham for Mining and Investment).

تؤكد هذه المشاريع أن الصندوق يركز على قطاعات حيوية ومتنوعة، بما في ذلك السياحة والعقارات والبنية التحتية. يهدف الصندوق من خلال هذه المبادرات إلى جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل. ومع ذلك، فإن الطبيعة الترويجية لهذه المشاريع، مع عدم وجود مؤشرات واضحة على بدء التنفيذ على نطاق واسع، تثير تساؤلات حول مدى التقدم الفعلي الذي أحرزه الصندوق في تحقيق أهدافه المعلنة.

تعد المشاريع العقارية الضخمة مثل "دمشق الجديدة" و"لاذقية أد ماري" من أبرز الأمثلة على الطموحات الكبيرة للصندوق. فمشروع "دمشق الجديدة" الذي يمتد على مساحة شاسعة تبلغ ثلاثة وثلاثين مليون متر مربع، يعتبر مبادرة لتطوير مدينة متكاملة تضم استخدامات متعددة. أما مشروع "لاذقية أد ماري" في اللاذقية، فيعكس اهتمام الصندوق بتطوير المناطق الساحلية واستغلال إمكانياتها السياحية.

بالإضافة إلى هذه المشاريع العقارية والسياحية، يشير تأسيس شركات مثل "سرح القابضة" و"كنوز الشام للتعدين والاستثمار" إلى توجه الصندوق نحو بناء كيانات اقتصادية متخصصة قادرة على إدارة وتنفيذ هذه المشاريع. هذا التوجه يعكس استراتيجية الصندوق في تجميع الأصول والخبرات تحت مظلة واحدة لتعظيم العوائد وتحقيق التنمية المستدامة.

محفظة الأصول والاستثمارات الاستراتيجية

يدير الصندوق محفظة عقارية تتجاوز سبعين مليون متر مربع من الأراضي المخصصة للتطوير عبر سبعة وأربعين موقعاً في سوريا. وتقدر القيمة الإجمالية للمشاريع المخطط لها بنحو مئة مليار دولار. يمتلك الصندوق ما يقرب من ألفي عقار، تقدر قيمتها بما يصل إلى مليارين ونصف المليار دولار. ويتولى الصندوق دوراً مباشراً في الاستثمارات المصنفة كقطاعات استراتيجية، مثل مشغل الاتصالات المتنقل الجديد الذي سيحل محل شركة MTN Syria. وستحصل شركة الاتصالات المتنقلة الجديدة على ترخيص لمدة عشرين عاماً، مع احتفاظ الصندوق بخمسة وعشرين بالمئة من أسهمها، فيما يمتلك المستثمر الفائز النسبة المتبقية البالغة خمسة وسبعين بالمئة.

يمتد حضور الصندوق ليشمل فرصاً استثمارية في المطارات، بما في ذلك مطارات اللاذقية ودير الزور والقامشلي، بالإضافة إلى منشآت ومصانع كانت مملوكة سابقاً لرجل الأعمال رامي مخلوف. وقد جرى تسوية مع رجل الأعمال سامر فوز، تم بموجبها نقل ملكية اثنين وثلاثين شركة وأصولاً في القطاعات الصناعية والتجارية والخدمية والمصرفية إلى الدولة، ليتم إدارتها من خلال صندوق التنمية والصندوق السيادي. وتشير التقديرات إلى أن قيمة الأصول المستردة أو المنقولة تبلغ مليارات الدولارات. وتعتبر "طيبة للبترول" (Taiba Petroleum) من بين الشركات المرتبطة بالصندوق.

تُظهر محفظة الأصول التي يديرها الصندوق، والتي تتضمن مساحات شاسعة من الأراضي والعقارات، حجم الإمكانيات الاقتصادية التي يسعى الصندوق إلى استثمارها وتطويرها. تتجاوز هذه المحفظة العقارية السبعين مليون متر مربع من الأراضي المخصصة للتطوير، موزعة على سبعة وأربعين موقعاً استراتيجياً في جميع أنحاء سوريا. هذه الأراضي تمثل قاعدة أساسية لتنفيذ المشاريع الكبرى التي يروج لها الصندوق.

إن تقدير القيمة الإجمالية للمشاريع المخطط لها بنحو مئة مليار دولار يعكس الطموح الكبير للصندوق في تحقيق قفزة نوعية في الاقتصاد السوري. كما أن امتلاكه لحوالي ألفي عقار، تقدر قيمتها بنحو مليارين ونصف المليار دولار، يمنحه قاعدة أصول صلبة يمكن الاعتماد عليها في تمويل وتنفيذ الاستثمارات.

بالإضافة إلى العقارات، يمتد دور الصندوق ليشمل القطاعات الاستراتيجية الحيوية. فدوره في قطاع الاتصالات، من خلال مشغل الاتصالات المتنقل الجديد الذي سيحل محل شركة MTN Syria، يبرز أهمية تدخله في القطاعات التي تؤثر بشكل مباشر على البنية التحتية والخدمات الأساسية في البلاد. حصول الشركة الجديدة على ترخيص لمدة عشرين عاماً، مع احتفاظ الصندوق بحصة خمسة وعشرين بالمئة، يؤكد على دوره الرقابي والاستراتيجي في هذا القطاع.

كما أن توسع حضور الصندوق ليشمل فرصاً استثمارية في المطارات الرئيسية مثل اللاذقية ودير الزور والقامشلي، يشير إلى اهتمامه بتطوير البنية التحتية للنقل الجوي، مما يمكن أن يعزز حركة التجارة والسياحة. وتُعد إدارة الصندوق للمنشآت والمصانع التي كانت مملوكة سابقاً لرجل الأعمال رامي مخلوف، وكذلك الأصول التي تم نقل ملكيتها إلى الدولة بعد التسوية مع رجل الأعمال سامر فوز، دليلاً على دوره في استعادة الأصول وتعظيم الاستفادة منها لصالح الدولة. هذه الأصول، التي تشمل اثنين وثلاثين شركة في قطاعات متنوعة مثل الصناعة والتجارة والخدمات والمصارف، تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، مما يعزز من قدرة الصندوق على التأثير في الاقتصاد الوطني.

هيكلية الإدارة والشفافية المأمولة

في المنتدى السوري-الإماراتي الأول الذي عُقد في مايو الماضي، أفاد مسؤولو الصندوق بأن المؤسسة تضم ستة وثلاثين قطاعًا متخصصًا وإحدى عشرة شركة مركزية. وذكر هؤلاء المسؤولون أن هذه الشركات توظف أكثر من أربعين ألف شخص، مما يشير إلى حجم العمليات والنطاق التشغيلي المتوقع للصندوق. تعكس هذه الأرقام محاولة الصندوق لتقديم نفسه ككيان اقتصادي واسع النطاق يمتلك القدرة على التأثير في سوق العمل والاقتصاد السوري بشكل عام من خلال هذه القطاعات والشركات المتنوعة التي تغطي مجالات مختلفة. ويُفهم من هذه الإفادات أن الصندوق يسعى لتجميع الأصول وإدارتها تحت مظلة واحدة، بهدف تحقيق عوائد استثمارية وتنموية.

وفيما يتعلق بالإطار التنظيمي، يؤكد مسؤولو الصندوق أن المؤسسة تعتمد على نظام حوكمة يستند إلى القانون السوري ومبادئ سانتياغو. وتشكل مبادئ سانتياغو مجموعة من المبادئ التوجيهية الطوعية التي وضعتها مجموعة عمل الصناديق السيادية الدولية (International Working Group of Sovereign Wealth Funds) لتعزيز الشفافية والمساءلة والإدارة السليمة للصناديق السيادية. ويهدف هذا الإعلان إلى التأكيد على التزام الصندوق بالمعايير الدولية في الإدارة والشفافية، مما قد يسهم في بناء الثقة مع المستثمرين والشركاء المحتملين، على الرغم من غياب التفاصيل المالية الملموسة التي تدعم هذه التأكيدات حتى الآن.

إن الإفصاح عن أن الصندوق يضم ستة وثلاثين قطاعاً متخصصاً وإحدى عشرة شركة مركزية، وأن هذه الكيانات توظف أكثر من أربعين ألف شخص، يعطي لمحة عن الحجم الهيكلي والتشغيلي الذي يطمح إليه الصندوق. هذا العدد الكبير من القطاعات والشركات يدل على نية الصندوق في تغطية مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، من الصناعة والزراعة إلى الخدمات والتكنولوجيا، بهدف تحقيق تنوع في الاستثمارات وتقليل المخاطر.

تأكيد مسؤولي الصندوق على اعتماده نظام حوكمة يستند إلى القانون السوري ومبادئ سانتياغو، يعتبر خطوة نحو بناء الثقة مع المجتمع الدولي والمستثمرين. تهدف مبادئ سانتياغو إلى ضمان أن الصناديق السيادية تعمل بطريقة شفافة ومسؤولة، مع الحفاظ على استقلاليتها عن التدخل السياسي. ومع ذلك، فإن غياب التقارير المالية الدورية والتفاصيل الملموسة حول الأداء المالي للصندوق يلقي بظلال من الشك على مدى تطبيق هذه المبادئ على أرض الواقع.

بينما يواصل الصندوق السيادي السوري الإعلان عن مشاريع طموحة وتأسيس شركات متخصصة، يبقى التحدي الأكبر أمامه هو ترجمة هذه الوعود إلى إنجازات ملموسة وشفافة. إن الكشف عن التفاصيل المالية، بما في ذلك حجم الأصول المدارة، ومصادر التمويل، والعوائد المحققة، سيساهم بشكل كبير في تعزيز مصداقية الصندوق وجذب المزيد من الاستثمارات الضرورية لإعادة بناء الاقتصاد السوري. بدون هذه الشفافية، قد يظل الصندوق في مرحلة التخطيط والترويج دون تحقيق التأثير الاقتصادي المرجو منه.