هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الخميس بسحب القوات الأمريكية المتمركزة في إيطاليا وإسبانيا، وذلك وسط توترات متصاعدة مع حلفاء أوروبيين. جاء هذا التهديد بعد أن ذكر ترامب يوم الأربعاء أن واشنطن "تدرس وتراجع" تخفيضًا محتملًا للقوات الأمريكية في ألمانيا. وأشار الرئيس الأمريكي إلى أنه سيتخذ قرارًا بهذا الشأن في "فترة زمنية قصيرة"، وذلك بعد ساعات من إعلان البيت الأبيض عن مراجعة جدية لتقليص الوجود العسكري الأمريكي في ألمانيا. وتأتي هذه التطورات في ظل اتهامات من ترامب للمستشار الألماني فريدريك ميرز بالفشل في دعم الجهود الأمريكية لتأمين مضيق هرمز.
خلفية التهديدات الأوروبية
يُعد تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصعيدًا جديدًا ضد الحلفاء الأوروبيين الذين عارضوا العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. وقد انتقد ترامب إيطاليا وإسبانيا لرفضهما السماح باستخدام القواعد العسكرية على أراضيهما لشن ضربات ضد أهداف إيرانية. ووفقًا لرويترز، دأب الزعيم الأمريكي على انتقاد حلفاء الناتو بشدة لفشلهم في المساعدة بالعملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أو في إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا أمام حركة ناقلات النفط. تعكس هذه الانتقادات المتكررة والمباشرة إحباط الإدارة الأمريكية من عدم التوافق الأوروبي مع سياساتها الإقليمية، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني الذي تعتبره واشنطن أولوية قصوى.
ولم يقتصر انتقاد ترامب على رفض استخدام القواعد فحسب، بل لام الرئيس الأمريكي مدريد أيضًا لفشلها في زيادة الإنفاق الدفاعي، وفقًا لتقرير رويترز. يأتي هذا الضغط على إسبانيا في سياق مطالب أمريكية أوسع نطاقًا لحلفاء الناتو بزيادة مساهماتهم في الدفاع المشترك، وهو ما كان محورًا متكررًا في خطابات ترامب المتعلقة بالعلاقات عبر الأطلسي. وتُشكل هذه التوترات جزءًا من سياق أوسع حيث أشار ترامب في وقت سابق إلى أنه "يدرس ويراجع" تخفيضًا محتملاً للقوات الأمريكية في ألمانيا. وقد صرح الرئيس الأمريكي بأنه سيتخذ قرارًا بهذا الشأن في "فترة زمنية قصيرة"، مما يعكس تصاعد الضغوط على الشركاء الأوروبيين لمواءمة سياساتهم مع المطالب الأمريكية.
وتشير هذه التحركات إلى تحول محتمل في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أوروبا، حيث قد تربط واشنطن وجودها العسكري بمستوى الدعم الذي تقدمه الدول الأوروبية لمصالحها الأمنية، وخاصة في الشرق الأوسط. ويُضاف إلى ذلك أن التهديد بسحب القوات من إيطاليا وإسبانيا، وهما دولتان تستضيفان قواعد عسكرية أمريكية استراتيجية، يرسل رسالة قوية حول جدية الإدارة الأمريكية في تنفيذ تهديداتها. وتشمل القواعد العسكرية الأمريكية في إيطاليا، على سبيل المثال، قاعدة أفيانو الجوية (Aviano Air Base) وقاعدة نابولي البحرية (Naval Support Activity Naples)، بينما تستضيف إسبانيا قاعدة روتا البحرية (Naval Station Rota) وقاعدة مورون الجوية (Morón Air Base)، وهي مواقع حيوية للعمليات الأمريكية في البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا.
اتهامات محددة لإيطاليا وإسبانيا
صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن إيطاليا "لم تقدم أي مساعدة"، وذلك في سياق انتقاداته المتكررة للحلفاء الأوروبيين. وواصل ترامب هجومه على إسبانيا، واصفًا إياها بأنها كانت "سيئة للغاية" في تعاملها مع المطالب الأمريكية. هذه التصريحات الحادة تسلط الضوء على عمق الخلافات بين واشنطن وروما ومدريد بشأن قضايا الأمن الإقليمي والتعاون العسكري.
تأتي هذه التصريحات بعد أن ذكر ترامب في وقت سابق من هذا الشهر لصحيفة كورييري ديلا سيرا (Corriere della Sera) الإيطالية اليومية، أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تفتقر إلى "الشجاعة" فيما يتعلق بموقفها من إيران. هذه الانتقادات الموجهة مباشرة إلى قيادة إيطاليا تعكس الضغط الأمريكي المتزايد على الحلفاء الأوروبيين لدعم سياسات واشنطن الإقليمية، وتحديداً موقفها المتشدد من طهران. ويُعتقد أن هذه التصريحات تهدف إلى دفع ميلوني لاتخاذ موقف أكثر حزمًا يدعم الأجندة الأمريكية في المنطقة.
ووفقًا للبيانات المتاحة، بلغ عدد القوات الأمريكية العاملة في إيطاليا 12,662 جنديًا حتى 31 ديسمبر 2025. هذه القوات هي جزء من الوجود العسكري الأمريكي الذي يهدد ترامب بسحبه، مما قد يؤثر بشكل كبير على القدرات الدفاعية المشتركة في المنطقة. في سياق متصل، أشار ترامب إلى أنه "يدرس ويراجع التخفيض المحتمل" للقوات الأمريكية في ألمانيا وبلدان أوروبية أخرى، مما يشير إلى أن التهديد لا يقتصر على إيطاليا وإسبانيا بل قد يمتد ليشمل حلفاء آخرين لا يتوافقون مع الرؤية الأمريكية. وقد أكد ترامب أن الهدف من هذه المراجعة هو التأكد من أن الحلفاء يتحملون نصيبهم العادل من الأعباء الدفاعية، وأنهم يدعمون المصالح الأمنية الأمريكية في المناطق الحيوية.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط، وهو ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى التوترات الإقليمية. ويُعتبر مضيق هرمز ممرًا حيويًا لشحن النفط العالمي، وإغلاقه يمثل تهديدًا للاقتصاد العالمي. وقد أكد الرئيس الأمريكي أنه سيتخذ قرارًا بشأن هذه المراجعة في "فترة زمنية قصيرة"، مما يزيد من حالة عدم اليقين بين الحلفاء الأوروبيين بشأن مستقبل التعاون الأمني والدفاعي مع الولايات المتحدة. هذا الوضع يضع ضغطًا إضافيًا على الدول الأوروبية لإعادة تقييم مواقفها وتحديد مدى استعدادها للتوافق مع المطالب الأمريكية لتجنب تداعيات محتملة على وجود القوات الأمريكية على أراضيها.
تداعيات وسيناريوهات مستقبلية
أفادت تقارير الأسبوع الماضي بأن الولايات المتحدة كانت تدرس تعليق عضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك على خلفية رفض مدريد دعم العمليات العسكرية ضد إيران. يأتي هذا التطور في سياق التوترات المتصاعدة بين واشنطن وبعض حلفائها الأوروبيين، حيث سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن انتقد إيطاليا وإسبانيا لعدم سماحهما باستخدام قواعدهما العسكرية لشن ضربات ضد أهداف إيرانية. وتشير هذه التقارير إلى مدى جدية واشنطن في ممارسة الضغط على الدول التي لا تتماشى سياساتها مع المطالب الأمريكية، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني الذي يمثل أولوية لإدارة ترامب.
إن التهديد بتعليق عضوية إسبانيا في الناتو، وهو تحالف دفاعي أساسي، يُعد تصعيدًا غير مسبوق وقد تكون له تداعيات خطيرة على وحدة الحلف وفعاليته. وقد يزيد هذا التهديد من حالة عدم اليقين بشأن مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، ويدفع إلى إعادة تقييم أدوار الحلفاء داخل الناتو. كما يمكن أن يؤثر على قدرة الحلف على الاستجابة للتحديات الأمنية المشتركة، ويُحدث شرخًا عميقًا بين أعضائه. وتُظهر هذه التطورات أن الإدارة الأمريكية مستعدة لاستخدام جميع أوراق الضغط المتاحة لضمان توافق الحلفاء مع سياستها الخارجية. ويُضاف إلى ذلك أن أي سحب للقوات الأمريكية من إيطاليا أو إسبانيا قد يؤثر على الاستقرار الإقليمي ويترك فراغًا أمنيًا قد تسعى قوى أخرى لملئه، مما يزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي.