قام وفد حكومي سوري بزيارة رسمية إلى اليابان في يوليو، بهدف دراسة تجارب التعافي وإعادة الإعمار في مدينتي كوبي وهيروشيما. جاءت هذه الزيارة في سياق سعي سوريا للاستفادة من الخبرات الدولية في جهود إعادة البناء بعد سنوات الصراع، ولفحص التجربة اليابانية عن كثب والاستفادة من خبراتها المتراكمة في التعامل مع تبعات الكوارث وإعادة تأهيل البنى التحتية والمجتمعات.
أتاحت زيارة الوفد السوري إلى اليابان فرصة لفحص التجربة اليابانية عن كثب والاستفادة من خبراتها المتراكمة في التعامل مع تبعات الكوارث وإعادة تأهيل البنى التحتية والمجتمعات. وقد ركز الوفد على الجوانب العملية والدروس المستفادة من مراحل إعادة الإعمار المختلفة، مستكشفاً خبرة اليابان في التخطيط الحضري وإدارة الكوارث والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى التشريعات والمشاريع التي أسهمت في تحويل مدينتي كوبي وهيروشيما إلى نماذج عالمية يحتذى بها. نُشرت هذه الأنباء بتاريخ 21 يوليو 2026.
دروس اليابان في التعافي والتنمية
استكشف الوفد خبرة اليابان في التخطيط الحضري وإدارة الكوارث والتنمية المستدامة، بالإضافة إلى التشريعات والمشاريع التي أسهمت في تحويل مدينتي كوبي وهيروشيما إلى نماذج عالمية. وصرح عبد الرحمن محمد، أستاذ المالية والمصرفية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، بأن تجربة اليابان بعد الحرب العالمية الثانية تبرز كأحد أهم أمثلة إعادة الإعمار والتنمية في التاريخ الحديث، مقدمةً نموذجاً فريداً للتحول من الدمار إلى الازدهار. وأضاف محمد: "على الرغم من الفجوة الواسعة بين اليابان وسوريا في ظروفهما التاريخية وبيئاتهما السياسية وهياكلهما الاجتماعية ومواردهما المتاحة، فإن المبادئ التي وجهت اليابان من الدمار إلى التنمية تقدم دروسًا عالمية يمكن أن تكون مفيدة لسوريا وغيرها من الدول التي تسعى لإعادة البناء".
حدد محمد ثلاثة دروس عملية رئيسية من التجربة اليابانية هي: إعطاء الأولوية للبنية التحتية الذكية التي تدعم النمو الاقتصادي المستقبلي، وسياسة القطاعات القاطرة التي تركز على تطوير صناعات محددة لقيادة الانتعاش الاقتصادي، وبناء شراكة ثلاثية قوية تضم الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية لضمان التمويل والتنفيذ الفعال للمشاريع. وأشار محمد إلى أن إعادة الإعمار الناجحة في اليابان قد استندت إلى رأس مال بشري متاح بسهولة من مهندسين وفنيين ذوي كفاءة عالية، وإلى أساس مؤسسي قوي ومتين مكن من التخطيط والتنفيذ الفعال. وأوضح محمد أن "التجربة اليابانية لا يمكن نقلها حرفيًا إلى سوريا، نظراً للفروقات الجوهرية في السياقين. بدلاً من ذلك، يجب تفكيك النموذج الياباني بعناية، وتحليل مكوناته الأساسية، ثم إعادة تجميعه بطريقة تناسب الواقع السوري وتحدياته الفريدة". كما لفت إلى أن "القيمة الحقيقية للتجربة اليابانية لا تكمن في تقليد مصانع تويوتا أو قطارات شينكانسن السريعة. بل تكمن في فهم كيف حولت أمة الإذلال العسكري إلى قوة اقتصادية عالمية من خلال نظام قيم يركز على المعرفة والدقة والثقة في المؤسسات العامة، وهي عناصر يمكن استلهامها وتكييفها".
دُعمت إعادة الإعمار في اليابان بمجتمع متماسك وروح تضحية جماعية تغلبت على الصعاب. وأكد محمد أن "التجربة اليابانية تظهر أيضًا أن إعادة الإعمار ليست مجرد عملية إعادة بناء ما دمر من مبانٍ وبنية تحتية. إنها مشروع اقتصادي متكامل يعتمد على إنشاء مؤسسات فعالة وشفافة، وتنمية رأس المال البشري من خلال التعليم والتدريب، وتشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي، وتوجيه الموارد والقدرات نحو مشاريع تنموية طويلة الأجل تضمن الاستدامة والازدهار".
تحديات تطبيق النموذج الياباني في سوريا
أوضح عبد الرحمن محمد، أستاذ المالية والمصرفية في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن التجربة اليابانية لا يمكن نقلها حرفيًا إلى سوريا، مشدداً على ضرورة التكيف لا التقليد الأعمى. وذكر محمد أن "التجربة اليابانية لا يمكن نقلها حرفيًا إلى سوريا. بدلاً من ذلك، يجب تفكيك النموذج الياباني وإعادة تجميعه بطريقة تناسب الواقع السوري، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية الوضع الراهن".
وأشار محمد إلى أن سوريا تواجه تحديات متعددة ومعقدة في سياق تطبيق أي نموذج لإعادة الإعمار، تشمل التنوع الاجتماعي والثقافي الكبير، والانقسامات العميقة التي خلفها الصراع الطويل، والانتشار الواسع للاقتصاد غير الرسمي الذي يصعب السيطرة عليه وتنظيمه. كما تفتقر سوريا إلى وجود قوة خارجية موحدة تضمن الأمن والاستثمار، وتتداخل فيها مصالح العديد من الأطراف الدولية والإقليمية، مما يزيد من تعقيد المشهد.
وذكر محمد أن بعض جوانب النموذج الياباني سيكون من الصعب تطبيقها في سوريا، مثل النموذج المؤسسي لوزارة التجارة والصناعة الدولية اليابانية، وذلك بسبب ضعف القدرة المؤسسية والفساد المستشري في السياق السوري، مما يعيق فعالية أي جهود مماثلة. كما تفتقر سوريا إلى أساس اجتماعي متماسك وروح تضحية جماعية، وهو ما يتطلب تحقيق مصالحة وطنية حقيقية وشاملة قبل الشروع في أي عملية إعادة إعمار واسعة النطاق.
وتواجه سوريا تحديًا متزامنًا يتمثل في إعادة بناء اقتصادها المنهك، ومؤسساتها المدمرة، وثقتها الاجتماعية المتصدعة، إلى جانب إعادة بناء مدنها وبنيتها التحتية المدمرة، مما يجعل المهمة مضاعفة التعقيد.
عناصر قابلة للتطبيق مع تعديلات
يمكن الاستفادة من عناصر محددة في التجربة اليابانية، بعد تكييفها مع الواقع السوري. من بين هذه العناصر، تبرز فلسفة "مونوزوكوري" (monozukuri) أو براعة التصنيع، والتي تركز على الجودة والدقة والابتكار في الإنتاج. هذه الفلسفة، إذا تم تعديلها لتناسب الظروف الصناعية السورية الحالية وإمكانياتها المتاحة، يمكن أن تسهم في تطوير قطاع الصناعة وإعادة تأهيل القدرات الإنتاجية، وتوجيهها نحو منتجات ذات قيمة مضافة.
كما يمكن لسوريا أن تستلهم من التجربة اليابانية في ربط التعليم الفني والمهني باحتياجات سوق العمل بشكل مباشر وفعال. يهدف هذا النهج إلى تزويد الشباب بالمهارات العملية اللازمة للمشاركة بفاعلية في عملية إعادة الإعمار وتلبية متطلبات القطاعات الاقتصادية الناشئة والمتجددة، ما يقلل من الفجوة بين مخرجات التعليم وفرص العمل المتاحة ويساهم في بناء رأس مال بشري مؤهل.
يمكن أن يوفر تطبيق اللامركزية المخطط لها بعناية دروسًا قيمة لسوريا. فبدلاً من التركيز المركزي على دمشق، يمكن أن يساعد هذا النهج في تمكين المجتمعات المحلية في المحافظات الأخرى، مثل حلب وحمص، من تولي زمام المبادرة في جهود إعادة الإعمار الخاصة بها. يتطلب هذا تخطيطًا دقيقًا، وتوزيعًا عادلاً للموارد والصلاحيات، مع الأخذ في الاعتبار التنوع الاجتماعي والثقافي والأوضاع الخاصة لكل منطقة. هذه العناصر، رغم أنها مستوحاة من اليابان، تحتاج إلى تعديلات جوهرية لتتلاءم مع التحديات والفرص الفريدة التي تواجهها سوريا في مرحلة ما بعد الصراع.