شهد الوجود المسيحي في بلاد الشام تحولات ديموغرافية كبرى على مدار القرون الماضية، بدأت بتراجع تدريجي وانتهت بتبدلات سكانية واسعة. في عام 730، شكل المسيحيون 94 في المئة من سكان بلاد الشام بنحو 2.5 مليون نسمة. وبحلول القرن العاشر، تساوت نسبتا السكان المسيحيين والمسلمين لتصل كل منهما إلى 50 في المئة.
استمر هذا الانخفاض ليصل عدد المسيحيين في منتصف القرن الرابع عشر إلى نحو 100 ألف نسمة، وهو ما يعادل 10 في المئة من إجمالي السكان. ومع حلول عام 1914، ارتفعت نسبتهم إلى 26.4 في المئة بواقع 794 ألف نسمة تقريباً. وفي الوقت الحالي، تقل نسبة المسيحيين عن 1 في المئة في فلسطين، وعن 3 في المئة في سوريا والأردن، بينما تبلغ نحو 33 في المئة في لبنان.
تراجع ديموغرافي عبر القرون
أظهرت دراسة نشرت في عام 2013 بمجلة (PLOS Genetics) وجود سمات بيولوجية مشتركة بين المجموعات السكانية في المنطقة. وخلصت نتائج الدراسة العلمية إلى أن المسيحيين في بلاد الشام (Levant) والدروز يحتفظون بنسبة 68 في المئة من بصمة جينية أصلية قديمة. تشير هذه البيانات إلى استمرارية المكون الجيني لهذه الجماعات عبر العصور، رغم التحولات الديموغرافية والتبدلات السكانية التي شهدتها المنطقة تاريخياً. وتوفر هذه المعطيات الجينية فهماً أعمق للجذور التاريخية للمسيحيين في بلاد الشام، مؤكدة ارتباطهم التاريخي بالأصول السكانية الأولى للمنطقة، وذلك وفقاً لما توصلت إليه الدراسة المذكورة في عام 2013.
مؤشرات على عودة الاستقرار
أفادت السلطات المحلية في ريف إدلب بعودة ما يقرب من 90 في المئة من السكان إلى القرى المسيحية، حيث بلغ عدد العائدين نحو 450 عائلة. وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت تبرز فيه مخاوف بشأن ديمومة الوجود المسيحي في المنطقة. وفي هذا السياق، حذر الأب جهاد يوسف (Father Jihad Youssef)، رئيس دير مار موسى الحبشي في ريف دمشق، من "خطر الانقراض والزوال". وتؤكد هذه الأرقام المسجلة في ريف إدلب وجود حركة سكانية نحو الاستقرار في بعض المناطق، بينما يظل الترقب قائماً حول مستقبل التجمعات المسيحية في ظل الظروف الراهنة التي وصفتها تصريحات الأب جهاد يوسف بالتهديد الوجودي للمكونات الاجتماعية التاريخية في سوريا.
إعادة إحياء المؤسسات التعليمية
أعادت السلطات الانتقالية في محافظة إدلب فتح مدرسة الأرض المقدسة (Holy Land School)، وهي المؤسسة التعليمية المسيحية الوحيدة في المنطقة. تأسست هذه المدرسة في الأصل على يد الرهبان الفرنسيسكان عام 1958، حيث مثلت لسنوات طويلة ركيزة للتعليم المسيحي في المحافظة قبل توقف نشاطها. وجرى تمويل عمليات ترميم وإعادة تأهيل مبنى المدرسة بالكامل من قبل جمعية (L’Œuvre d’Orient) الفرنسية، التي تولت تغطية كافة التكاليف المالية المطلوبة لاستئناف العملية التعليمية. وتأتي هذه الخطوة كجزء من جهود أوسع لترميم المرافق المجتمعية في إدلب، مما يتيح استمرار تقديم الخدمات التعليمية في المؤسسة التي تعد الوحيدة من نوعها للمكون المسيحي في تلك المحافظة، وفقاً لما أعلنته السلطات الانتقالية في 13 أكتوبر 2026.