أرقام الناتج المحلي الإجمالي السوري: بين الطموح والواقع الاقتصادي

عرض الرئيس السوري أحمد الشرع أرقامًا اقتصادية حديثة ومفصلة خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي في دبي، مشيرًا إلى نمو ملحوظ ومتوقع في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد على مدى السنوات القادمة. صرح الشرع بأن الناتج المحلي الإجمالي لسوريا ارتفع إلى 32 مليار دولار أمريكي في عام 2025. وأضاف الرئيس السوري في كلمته أن التوقعات تشير إلى استمرار هذا النمو بشكل تصاعدي، حيث من المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 60 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2027. تأتي هذه الأرقام في سياق جهود البلاد للتعافي الاقتصادي وإعادة بناء ما دمره النزاع المستمر.

توقعات النمو الاقتصادي السوري المعلنة وتحديات تحقيقها

كشف الرئيس السوري أحمد الشرع أن الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بلغ حوالي 20 مليار دولار أمريكي في عام 2024. وتوقع الشرع خلال حديثه أن يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى 50 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2026، قبل أن يرتفع إلى 60 مليار دولار أمريكي في عام 2027. وتأتي هذه التوقعات ضمن طموح أوسع صرح به الشرع لتوسيع الاقتصاد السوري ليصل إلى حوالي 200 مليار دولار أمريكي خلال فترة تتراوح بين خمس وعشر سنوات.

ويمثل الارتفاع المتوقع في الناتج المحلي الإجمالي من 32 مليار دولار أمريكي في عام 2025 إلى 50 مليار دولار أمريكي في عام 2026 زيادة بنسبة 56 بالمئة تقريباً في عام واحد، وهو ما يعكس طموحاً كبيراً في تحقيق قفزات اقتصادية نوعية. لتحقيق هدف الـ 200 مليار دولار أمريكي من 60 مليار دولار أمريكي المتوقعة لعام 2027 في غضون عشر سنوات، سيتطلب ذلك معدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 13 بالمئة. أما إذا كان الهدف هو بلوغ 200 مليار دولار أمريكي من 60 مليار دولار أمريكي في عام 2027 خلال خمس سنوات فقط، فإن ذلك سيتطلب معدل نمو سنوي مركب أعلى بكثير، يقدر بحوالي 27 بالمئة.

تحذيرات الخبراء حول الأرقام الرسمية وواقع الاقتصاد

في المقابل، حذر الباحث الاقتصادي يونس عبد الكريم من تفسير القفزة في الناتج المحلي الإجمالي من 20 مليار دولار أمريكي إلى 32 مليار دولار أمريكي كنمو حقيقي بنسبة 60 بالمئة. أوضح عبد الكريم أن "الناتج المحلي الإجمالي المقوم بالدولار لا يتشكل فقط من الناتج الحقيقي، بل أيضًا من مستويات الأسعار وأسعار الصرف والأساليب الإحصائية المستخدمة لحساب الحسابات القومية". وأشار إلى أن النمو الحقيقي المعلن لعام 2025 كان أقل بكثير من 60 بالمئة، ما يشير إلى أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة قد يعود لعوامل غير مرتبطة بالنمو الإنتاجي الفعلي.

من جانبه، توقع صندوق النقد الدولي (IMF) زخمًا قويًا في الاقتصاد السوري حتى عام 2027، مؤكداً في تقييمه لشهر أغسطس أن التعافي في سوريا يتسارع. ومع ذلك، فإن تحقيق هدف الـ 200 مليار دولار أمريكي من 60 مليار دولار أمريكي المتوقعة في عام 2027 خلال خمس سنوات سيتطلب معدل نمو سنوي مركب يبلغ حوالي 27 بالمئة، وهو معدل مرتفع للغاية يصعب تحقيقه في ظل الظروف الراهنة. يُذكر أن اقتصاد سوريا كان يحوم حول 60 مليار دولار أمريكي اسمياً قبل اندلاع النزاع، مما يضع الأرقام الحالية في سياق تاريخي مقارن.

شدد صندوق النقد الدولي على ضرورة تحسين الإحصائيات، وتعزيز السياسات المالية والنقدية، وإجراء إصلاحات شاملة في القطاع المصرفي. وعلق عبد الكريم على هذه التوقعات قائلاً إن "التعافي الاقتصادي لا يُقاس بعدد الأبراج أو المجمعات الاستثمارية المعلنة، بل بإعادة الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات، وإعادة تنشيط المصانع والأراضي الزراعية—يلي ذلك توسيع الصناعات والخدمات القادرة على توليد القيمة المضافة والصادرات والتوظيف". هذا التعليق يسلط الضوء على الفجوة بين الأرقام الكلية والواقع المعيشي للمواطنين والحاجة إلى إصلاحات هيكلية ملموسة.

مؤشرات اقتصادية واقعية وتحديات مستمرة

ذكر صندوق النقد الدولي (IMF) في تقييمه لشهر أغسطس أن التعافي في سوريا يتسارع، وتوقع الصندوق نموًا مزدوج الرقم لعام 2026. وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن التحسينات في الزراعة، وإنتاج الهيدروكربونات والكهرباء، والتجارة والخدمات، وعودة اللاجئين، وارتفاع أعداد الزوار، والإنفاق الحكومي، كلها عوامل تدفع هذا التعافي. هذه العوامل، على الرغم من أهميتها، لا تزال تواجه تحديات كبيرة في تحقيق استدامة النمو.

على صعيد التجارة الخارجية، بلغت صادرات السلع السورية حوالي 3.34 مليار دولار أمريكي في عام 2024، بينما بلغت الواردات السورية 6.28 مليار دولار أمريكي تقريبًا في نفس العام، مما يشير إلى وجود عجز تجاري كبير.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية، تقدر تقديرات البنك الدولي تكلفة إصلاح الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار أمريكي، وهو مبلغ ضخم يعكس حجم الدمار الذي لحق بالبلاد. كما يقدر البنك الدولي الأضرار المباشرة في سوريا بحوالي 108 مليارات دولار أمريكي. وعلق البنك الدولي على هذه الأرقام قائلاً: "لكن هذا الرقم لا يمثل حجم الاقتصاد السوري، ولا يمكن إضافته إلى الناتج المحلي الإجمالي. إنه تقدير للتكلفة المطلوبة لاستعادة البنية التحتية المتضررة من الحرب"، مؤكداً على أن هذه التقديرات تتعلق بالاستثمار المطلوب لإعادة الإعمار وليس بالناتج الاقتصادي السنوي.

يشير البنك الدولي إلى أن نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في سوريا بلغ حوالي 830 دولارًا أمريكيًا في عام 2024، وهو ما يضعه ضمن فئة البلدان ذات الدخل المنخفض. هذه الأرقام تعكس واقعاً صعباً على المستوى المعيشي، حيث يعيش حوالي ربع السوريين في فقر مدقع، بينما يقيم حوالي ثلثي السوريين تحت خط الفقر المحدد للبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى. هذه الإحصائيات تبرز التحديات الهائلة التي تواجه الاقتصاد السوري في تحسين مستوى معيشة السكان، بغض النظر عن الأرقام الكلية للناتج المحلي الإجمالي المعلنة.