سوريا تسجل عجزاً مالياً يتجاوز مليار دولار في نصف العام الأول لـ 2026

Finance Minister Mohammad Yusr Barnieh announced the figures during the launch of the Citizen’s Guide to the 2026 Budget in Damascus.
الصورة عبر Syrianobserver

أعلنت وزارة المالية السورية عن تجاوز العجز المالي للحكومة مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2026، وذلك وفقاً لتقرير الميزانية الصادر حديثاً. يأتي هذا العجز في ظل ارتفاع حاد في الإنفاق الحكومي، على الرغم من نمو الإيرادات العامة. وقد أصدرت وزارة المالية السورية تقرير ميزانيتها للنصف الأول من عام 2026، الذي كشف عن تفاصيل الأداء المالي للدولة خلال هذه الفترة، مقدماً لمحة شاملة عن الوضع الاقتصادي والتحديات التي تواجه الموازنة العامة.

وكشف تقرير الميزانية الصادر عن وزارة المالية السورية للنصف الأول من عام 2026 أن الإيرادات العامة ارتفعت لتصل إلى 2.7 مليار دولار أمريكي في تلك الفترة. هذا الارتفاع في الإيرادات يعكس جهود الحكومة لتعزيز مواردها المالية، وقد شكلت هذه الزيادة ارتفاعاً بنسبة 111 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مما يشير إلى تحسن ملحوظ في تحصيل الإيرادات. في المقابل، شهد الإنفاق الحكومي زيادة كبيرة بلغت 331 بالمائة، ليصل إلى 3.7 مليار دولار أمريكي خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026. وقد أدت هذه الفجوة بين الإيرادات والمصروفات إلى تسجيل الحكومة عجزاً مالياً تجاوز مليار دولار أمريكي في النصف الأول من العام، وتحديداً في الأشهر الستة الأولى من عام 2026. هذا العجز يمثل تحدياً كبيراً للموازنة العامة للدولة، ويسلط الضوء على ضرورة اتخاذ تدابير مالية لضبط الإنفاق أو زيادة الإيرادات.

زيادة الإيرادات والنفقات في الميزانية

شكلت هذه الزيادة في الإيرادات ارتفاعاً بنسبة 111 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وفقاً لبيانات وزارة المالية السورية. هذا النمو الكبير في الإيرادات يشير إلى تحسن في بعض القطاعات الاقتصادية أو زيادة في تحصيل الضرائب والرسوم، مما يعطي مؤشراً إيجابياً على قدرة الدولة على تعبئة مواردها. وقد بلغ متوسط الإنفاق العام الشهري 617 مليون دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2026، مما يعكس مستوى عالياً من المصروفات الحكومية المستمرة، ويظهر حجم الالتزامات المالية التي تتحملها الحكومة بشكل منتظم. وفي تفصيل لبنود الإنفاق الحكومي، استحوذت الرواتب والأجور على 36 بالمئة من إجمالي المصروفات، أي ما يعادل 1.34 مليار دولار أمريكي، وهو ما يبرز حجم الالتزامات الحكومية تجاه موظفي القطاع العام، ويؤكد على أن جزءاً كبيراً من الميزانية يخصص لتغطية تكاليف التشغيل الأساسية.

كما بلغت التكاليف الإدارية 1.03 مليار دولار أمريكي خلال الفترة المذكورة، مما يشير إلى حجم النفقات التشغيلية للمؤسسات الحكومية، والتي تشمل تكاليف الصيانة والتشغيل اليومي للوزارات والهيئات الحكومية. من جانب آخر، وصلت النفقات الاستثمارية إلى 1.02 مليار دولار أمريكي، مما يعكس توجهاً حكومياً نحو دعم مشاريع التنمية والبنية التحتية، والتي تعتبر حاسمة للنمو الاقتصادي المستقبلي، وتسهم في خلق فرص عمل وتعزيز القدرة الإنتاجية للدولة. وخصصت الحكومة السورية مبلغ 315 مليون دولار أمريكي للدعم الاجتماعي، في محاولة لتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وتوفير شبكة أمان اجتماعي للفئات الأكثر احتياجاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، مما يعكس التزام الحكومة بالحفاظ على مستوى معيشي مقبول للمواطنين.

مصادر الإيرادات الحكومية الرئيسية

أفادت وزارة المالية السورية بأن الرسوم الجمركية شكّلت المصدر الأكبر للإيرادات الحكومية خلال النصف الأول من عام 2026، حيث بلغت 1.1 مليار دولار أمريكي. يمثل هذا المبلغ حوالي 40 بالمئة من إجمالي الإيرادات المحققة في تلك الفترة، مما يسلط الضوء على الاعتماد الكبير على التجارة الخارجية كمصدر رئيسي للدخل الحكومي، ويشير إلى أهمية حركة الاستيراد والتصدير في دعم الخزانة العامة.

كما ساهمت الاستثمارات الحكومية بمبلغ 763 مليون دولار أمريكي في الإيرادات العامة، مما يعكس دور القطاع العام في دعم الخزانة من خلال عوائد الأصول والمشاريع المملوكة للدولة، ويدل على قدرة هذه الاستثمارات على توليد دخل إضافي. وفي سياق متصل، وصلت الإيرادات المتأتية من قطاع النفط والغاز إلى 601 مليون دولار أمريكي خلال الأشهر الستة الأولى من العام، وهو ما يؤكد أهمية هذا القطاع الحيوي للاقتصاد السوري، على الرغم من التحديات التي قد تواجهه.

إلى جانب هذه المصادر، بلغت حصيلة الضرائب المباشرة وغير المباشرة 252 مليون دولار أمريكي، مشكلة بذلك 9 بالمئة من إجمالي الدخل الحكومي. تظهر هذه الأرقام الاعتماد الكبير للحكومة على الرسوم الجمركية والاستثمارات الحكومية وقطاع النفط والغاز كمصادر رئيسية لتمويل ميزانيتها، مع مساهمة أقل نسبياً للضرائب التقليدية، مما يشير إلى أن القاعدة الضريبية قد لا تكون واسعة بما يكفي لتغطية النفقات المتزايدة. هذا التوزيع لمصادر الإيرادات يعكس هيكلاً اقتصادياً يعتمد بشكل كبير على قطاعات معينة، مما قد يجعله عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية أو التغيرات في حجم التجارة.

تحديات العجز المالي وآفاق المستقبل

كشفت البيانات المالية أن الدولة أنفقت 137 دولاراً مقابل كل 100 دولار من الإيرادات المحققة، حسبما ذكر الاقتصادي رضوان الدبس. ويشير هذا التباين إلى استمرار التحديات التي تواجهها الحكومة السورية في موازنة إيراداتها مع نفقاتها المتزايدة، مما يعكس حالة من عدم التوازن المالي، ويؤكد على الحاجة الماسة لإعادة تقييم السياسات المالية. وقد أظهرت الأرقام السابقة أن إجمالي الإنفاق الحكومي بلغ 3.7 مليار دولار أمريكي، بينما وصلت الإيرادات العامة إلى 2.7 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من عام 2026، مما أدى إلى العجز المالي المسجل الذي تجاوز مليار دولار أمريكي.

وأشار الاقتصادي محمد علابي إلى أن "64 بالمئة من إجمالي الإنفاق ذهب إلى العمليات الإدارية ورواتب الخدمة المدنية، بدلاً من الاستثمار الرأسمالي طويل الأجل أو الحماية الاجتماعية". هذا التركيز على النفقات التشغيلية والرواتب يثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على تخصيص الموارد لمشاريع التنمية المستدامة التي قد تعزز النمو الاقتصادي على المدى الطويل، ويحد من المرونة المالية للدولة، مما قد يؤثر على فرص النمو المستقبلي. تعكس هذه النسبة الكبيرة من الإنفاق على الجانب الإداري هيكلاً مالياً يواجه صعوبة في توجيه الأموال نحو القطاعات المنتجة والمشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تحقق عوائد مستقبلية، وتساهم في تحسين مستوى معيشة المواطنين على المدى البعيد.

وتوقعت وزارة المالية أن إجمالي الإيرادات قد يقترب من 8 مليارات دولار أمريكي بحلول نهاية عام 2026، وهو ما يشير إلى آمال بتحسن الوضع المالي في النصف الثاني من العام. ويعتمد هذا التوقع على افتراضات معينة تتعلق بالنمو الاقتصادي وفعالية السياسات المالية المتبعة، مما يتطلب متابعة دقيقة لتطورات الأداء الاقتصادي. وعادة ما ترتفع حصيلة الضرائب في النصف الثاني من العام، مما قد يدعم هذه التوقعات ويساهم في تقليص العجز المسجل، وذلك نتيجة لعوامل موسمية أو تشديد في آليات التحصيل، مما قد يوفر بعض التخفيف للضغوط المالية.

إلا أن التحدي المالي الرئيسي الذي سيواجه الحكومة في النصف الثاني من عام 2026 يتمثل في التحول من الإيرادات القائمة على الرسوم الجمركية إلى نظام ضريبي مستدام مدفوع بالإنتاج. وتُعد الرسوم الجمركية حالياً المصدر الأكبر للإيرادات، حيث بلغت 1.1 مليار دولار أمريكي، وهو ما يشكل 40 بالمئة من إجمالي الإيرادات. ويتطلب هذا التحول إصلاحات هيكلية لتعزيز الإنتاج المحلي وتوسيع القاعدة الضريبية بعيداً عن الاعتماد الكبير على التجارة الخارجية، لضمان استقرار مالي طويل الأجل وتقليل الاعتماد على مصادر إيرادات متقلبة. هذا التحول يعد ضرورياً لتحقيق استدامة مالية أكبر وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقلبات في التجارة الدولية، مما يتطلب خططاً اقتصادية واضحة وطويلة الأمد.