شهدت عدة محافظات سورية يوم الأحد احتجاجات واسعة النطاق، وذلك في أعقاب قرار الحكومة رفع أسعار الوقود بنسبة وصلت إلى أربعين بالمئة. وقد اندلعت المظاهرات استجابة للتعديلات الجديدة في أسعار المحروقات، مما أثار استياءً شعبياً في مناطق مختلفة من البلاد. هذا الارتفاع في الأسعار، الذي وصفه البعض بأنه "صدمة وقود"، يأتي في ظل ظروف اقتصادية صعبة تعيشها البلاد، ويزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين، الذين يواجهون تحديات متزايدة في توفير احتياجاتهم الأساسية.
تزايدت التقارير عن خروج مظاهرات في مناطق ريف الرقة ودير الزور والحسكة، حيث عبر المواطنون عن رفضهم لارتفاع تكاليف المعيشة وتأثير الزيادات الأخيرة على أوضاعهم الاقتصادية. وقد شهدت هذه المناطق تجمعات شعبية هتفت ضد القرارات الحكومية، مؤكدة على ضرورة إيجاد حلول مستدامة للأزمة الاقتصادية المتفاقمة. وتأتي هذه الاحتجاجات في وقت يشهد فيه القطاع الاقتصادي السوري ضعفاً متزايداً، مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وتدهور الخدمات الأساسية، مما يفاقم من معاناتهم اليومية ويزيد من حالة عدم اليقين بشأن المستقبل الاقتصادي للبلاد.
في سياق متصل، أكدت الحكومة أن سعر الخبز المدعوم سيبقى دون تغيير، وذلك في أعقاب تعديل أسعار الوقود الأخير. ويُعد هذا الإجراء محاولة لتخفيف العبء عن المواطنين فيما يتعلق بالسلعة الأساسية، لا سيما الخبز الذي يمثل عنصراً حيوياً في سلة الغذاء اليومية للأسر السورية. وعلى الرغم من هذا الاستثناء، فإن الزيادة في أسعار المحروقات أثرت بشكل مباشر وغير مباشر على قطاعات أخرى حيوية، ما ينذر بمزيد من التضخم وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، مما سيؤثر في نهاية المطاف على جميع السلع والخدمات في السوق.
ارتفاع قياسي في أسعار الوقود والمشتقات
شهدت أسعار الوقود والمشتقات النفطية في سوريا ارتفاعاً ملحوظاً، حيث بلغ سعر لتر البنزين أوكتان 95 نحو 195 ليرة سورية، بعد أن شهد قفزة كبيرة. كما ارتفع سعر لتر البنزين أوكتان 90 ليصل إلى 185 ليرة سورية، مسجلاً بدوره زيادة ملحوظة. وصعد سعر لتر الديزل إلى 175 ليرة سورية، مما يعكس الزيادات الأخيرة التي أقرتها الحكومة وشملت جميع أنواع الوقود الرئيسية المستخدمة في النقل والتدفئة والصناعة، والتي تعتبر ضرورية لتسيير الحياة اليومية والاقتصادية في البلاد.
وشملت الزيادات أيضاً أسعار أسطوانات الغاز، التي تعد ضرورية للاستخدامات المنزلية والصناعية على حد سواء. فقد وصل سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة سورية، مما يضيف عبئاً جديداً على ميزانيات الأسر، ويجعل تأمين احتياجات التدفئة والطهي أكثر صعوبة. أما أسطوانات الغاز الصناعي، فقد سجلت سعراً أعلى بلغ 2500 ليرة سورية، وهو ما يؤثر على تكاليف الإنتاج في المصانع والورش، ويهدد بزيادة أسعار المنتجات النهائية. وفي سياق متصل، ارتفع سعر طن الفيول إلى 52,800 ليرة سورية، ما يشير إلى تأثير هذه الزيادات على مختلف القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على الفيول كمصدر للطاقة، من المولدات الكهربائية إلى المصانع الكبيرة. هذه الارتفاعات تأتي في ظل تزايد الطلب على الطاقة ونقص الإمدادات المحلية، مما يدفع الحكومة إلى اتخاذ قرارات صعبة لضبط السوق، ولكنها تلقي بظلالها على القدرة الشرائية للمواطنين والقدرة التنافسية للقطاع الصناعي.
الاعتماد الكبير على الاستيراد وتكاليفه الباهظة
تعتمد سوريا بشكل كبير على الاستيراد لتلبية احتياجاتها من المشتقات النفطية، وهو ما يضع ضغطاً هائلاً على ميزانية الدولة والاحتياطي من العملات الأجنبية. حيث يتم تغطية ما يقرب من 74 بالمئة من الطلب على الديزل عن طريق الاستيراد الخارجي، مما يجعل البلاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية وتحديات الشحن، ويستنزف جزءاً كبيراً من مواردها المالية. كما تُلبى حوالي 81 بالمئة من احتياجات البنزين عبر الاستيراد، وهو ما يعكس ضعف الإنتاج المحلي لهذه المادة الحيوية، ويجعل قطاع النقل الخاص والعام شديد التأثر بالظروف الخارجية. بينما يعتمد استهلاك الغاز المنزلي على الواردات بنسبة تصل إلى 96 بالمئة، مما يجعله الأكثر تأثراً بأي اضطرابات في سلاسل الإمداد الدولية، ويؤثر بشكل مباشر على حياة الأسر السورية.
وتشير الأرقام إلى أن متوسط الطلب اليومي على الديزل يبلغ حوالي 11.9 مليون لتر، وهو رقم كبير يعكس الاستخدام الواسع لهذه المادة في مختلف القطاعات، بما في ذلك النقل والصناعة والزراعة وتوليد الكهرباء. يبلغ الإنتاج المحلي من الديزل نحو 3.09 مليون لتر يومياً، مما يعني ضرورة استيراد ما يقارب 8.81 مليون لتر من الديزل بشكل يومي لسد الفجوة بين العرض والطلب، وهو ما يمثل تحدياً لوجستياً ومالياً كبيراً. هذا الاعتماد الكبير على الاستيراد يفرض أعباء مالية ولوجستية ضخمة على الدولة، ويزيد من هشاشة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية.
وفيما يتعلق بالبنزين، يبلغ متوسط الطلب اليومي حوالي 8.1 مليون لتر، وهو ما يعكس الاستخدام المتزايد للمركبات الخاصة والعامة. ويُنتج محلياً ما يقارب 1.54 مليون لتر من البنزين يومياً، مما يستلزم استيراد 6.56 مليون لتر من البنزين بشكل يومي لتغطية الاستهلاك المتزايد، وهو ما يمثل أيضاً تحدياً كبيراً في توفير العملة الصعبة اللازمة للاستيراد. هذه الأرقام تسلط الضوء على الفارق الكبير بين القدرة الإنتاجية المحلية والاحتياجات الفعلية للسوق، وتؤكد على الحاجة الماسة لتعزيز الإنتاج الداخلي.
أما بالنسبة للغاز المنزلي، فيقدر الطلب اليومي عليه بنحو 2.5 مليون لتر، وهو ما يشكل تحدياً كبيراً لتوفيره للمواطنين، خاصة في فصول الشتاء الباردة. ويغطي الإنتاج المحلي من الغاز المنزلي حوالي 98 ألف لتر فقط من هذا الطلب اليومي، مما يعني أن الغالبية العظمى من احتياجات الغاز المنزلي يتم تلبيتها عبر الاستيراد، مما يجعل الأسر السورية تعتمد بشكل شبه كلي على الواردات لتأمين هذه السلعة الأساسية. هذا النقص الحاد في الإنتاج المحلي يفسر سبب الارتفاع الكبير في أسعار أسطوانات الغاز، ويزيد من معاناة المواطنين في الحصول عليها.
وتقدر وزارة الطاقة التكلفة الحالية لتأمين المنتجات النفطية المستوردة والغاز الطبيعي بنحو 25.2 مليون دولار أمريكي يومياً. هذا المبلغ الهائل يعكس العبء المالي الكبير الذي تتحمله البلاد نتيجة هذا الاعتماد الكلي على الواردات، ويسهم في استنزاف الاحتياطي النقدي الأجنبي ويضع ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الوطني في ظل الظروف الراهنة، مما يجعل البلاد في حاجة ماسة لإيجاد حلول مستدامة لتقليل هذا الاعتماد.
تحديات الإنتاج المحلي وضعف البنية التحتية
يُقدر الإنتاج الحالي للنفط الخام في سوريا بنحو 100 ألف برميل يومياً، وهو رقم لا يزال متواضعاً مقارنة بما كانت عليه البلاد قبل الأزمة، حيث كانت سوريا من الدول المنتجة للنفط. وتُشير التقديرات إلى أن أكثر من 75 بالمئة من هذا الإنتاج المحلي من النفط الخام هو من النوع الثقيل، والذي يتطلب عمليات تكرير أكثر تعقيداً وتكلفة، مما يحد من فعاليته في تلبية الطلب على المشتقات الخفيفة مثل البنزين والديزل، ويزيد من التحديات التقنية والمالية. هذه الأرقام تعكس التحديات القائمة في قطاع الطاقة السوري، خاصة مع الاعتماد الكبير على الاستيراد لتلبية الاحتياجات المحلية من المشتقات النفطية المختلفة، والتي تعتبر عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
على الرغم من هذه التحديات، شهد قطاع النفط بعض الجهود لتحسين الإنتاج وتعزيز القدرات المحلية. فخلال النصف الأول من عام 2026، أعيد تشغيل 152 بئراً نفطياً، مما يمثل خطوة إيجابية نحو استعادة جزء من الطاقة الإنتاجية المفقودة، ويساهم في زيادة الكميات المتاحة محلياً. وبالإضافة إلى ذلك، دخل عشرة آبار إضافية حيز الإنتاج، مما يسهم في زيادة الكميات المستخرجة من النفط الخام، ويعزز من القدرة الإجمالية للقطاع. هذه الإجراءات تهدف إلى تعزيز القدرة الإنتاجية المحلية في محاولة لتخفيف الضغط على الموارد المستوردة وتقليل التكاليف الباهظة المرتبطة بها، وهو ما يعد ضرورة قصوى لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. ومع ذلك، لا يزال الإنتاج المحلي غير كافٍ لتغطية الطلب المتزايد على الوقود والمشتقات، مما يجعل البلاد تعتمد بشكل كبير على الواردات، وتبقى عرضة لتقلبات السوق العالمية. إن إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية المتضررة وتطوير حقول جديدة يتطلب استثمارات ضخمة وجهوداً مستمرة، في ظل تحديات اقتصادية وجيوسياسية معقدة، تتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد.