يواجه معتقلون سوريون سابقون صعوبة بالغة في استعادة هوياتهم القانونية بعد اكتشافهم تسجيلهم رسميًا كمتوفين أثناء احتجازهم. هذه المشكلة الإنسانية والقانونية العميقة تترك الأفراد الذين نجوا من الاعتقال في مأزق بيروقراطي معقد، محاولين إثبات وجودهم المدني بعد أن اعتبرتهم السجلات الرسمية أمواتًا. وقد وثق تحقيق أجرته وحدة الصحافة الاستقصائية السورية (SIRAJ) حالات لعدد من السجناء السابقين الذين خرجوا أحياء ليجدوا شهادات وفاة صادرة بأسمائهم أو أن أسماءهم مدرجة في قوائم المتوفين بالسجون. من بين هؤلاء، أُطلق سراح أحمد فاروق مصطفى من سجن صيدنايا في 8 ديسمبر 2024، بعد ما يقرب من خمس سنوات قضاها في الاعتقال. كما اكتشف أنس نزار النحاس تسجيل وفاته الزائف عندما حاول الحصول على وثائق لتسجيل ابنته في المدرسة، مما كشف عن حجم هذه المشكلة وتأثيرها على الحياة اليومية للمتضررين من هذه الإجراءات الإدارية الخاطئة.
تداعيات قانونية وإنسانية للموت المسجل
اكتشف أحمد فاروق مصطفى، الذي أُطلق سراحه من سجن صيدنايا، أنه سُجل كمتوفى في أبريل/نيسان 2022، أي قبل أكثر من عامين من إطلاق سراحه. بعد اعتقاله، أقامت عائلته جنازة له، وتزوجت زوجته لاحقًا، مما يبرز الأبعاد المأساوية لهذه التسجيلات الخاطئة على الأسر وتفكك الروابط الاجتماعية. تُظهر هذه الحالات التداعيات الإنسانية والقانونية المعقدة لهذه التسجيلات الخاطئة، حيث يجد الناجون أنفسهم في مواجهة واقع قانوني يمحو وجودهم المدني ويعوق قدرتهم على ممارسة حقوقهم الأساسية. بموجب قانون الأحوال المدنية السوري، يتطلب تصحيح إدخال وفاة كاذب عادةً قضية محكمة وحكماً قضائياً نهائياً، وهي عملية شاقة ومكلفة. ذكر محامون تم الاستشهاد بهم في تحقيق وحدة الصحافة الاستقصائية السورية (SIRAJ) أن المتقدمين قد يحتاجون إلى وثائق هوية وسجلات مدنية حديثة وإثبات الإفراج من السجن وشهود وأدلة أخرى تربطهم بهويتهم القانونية. هذه المتطلبات البيروقراطية الصارمة تزيد من صعوبة استعادة الوضع القانوني للمعتقلين السابقين، وتضعهم أمام عقبات هائلة لإثبات أنهم أحياء واستعادة حقوقهم المدنية.
تحديات الإجراءات القضائية والتكاليف
وثقت الجمعية السورية للمعتقلين المفرج عنهم سبع عشرة حالة مماثلة بين سجناء سابقين طلبوا مساعدتها في تصحيح أوضاعهم القانونية، مما يشير إلى أن هذه الظاهرة ليست حالات فردية بل مشكلة أوسع نطاقاً تؤثر على عدد كبير من المعتقلين السابقين. تُشكل الإجراءات القضائية اللازمة لاستعادة الهوية تحدياً كبيراً لهؤلاء الأفراد، حيث تتطلب جهداً ووقتاً طويلاً. فقد قدر أحد المحامين أن عملية تصحيح قيد الوفاة الكاذب قد تستغرق حوالي عام كامل لإنجازها، وهو ما يضيف عبئاً نفسياً ومالياً كبيراً على المعتقلين السابقين الذين يسعون لاستعادة حياتهم الطبيعية.
تُضاف إلى هذه الصعوبات الزمنية التحديات المالية. يواجه المعتقلون السابقون تكاليف قانونية باهظة تُثقل كاهلهم، ويُعد الكثير منهم غير قادر على تحمل هذه النفقات، مما يعيق سعيهم لاستعادة حقوقهم المدنية الأساسية مثل الزواج والعمل والحصول على الخدمات الحكومية. هذه الأعباء المالية والقضائية تُفاقم من محنة الذين أُطلق سراحهم ليجدوا أنفسهم مسجلين كأموات، محرومين من حقوقهم الأساسية كمواطنين ومواجهة واقع قانوني معقد.
دعوات لآليات خاصة للمعتقلين السابقين
يرى خبراء قانونيون أن هذه الحالات لا ينبغي أن تُعامل كأخطاء روتينية في السجلات المدنية، نظراً لأن تسجيلات الوفاة الزائفة تنبع من ممارسات مرتبطة بجهاز الأمن السابق، مما يضفي عليها طابعاً خاصاً يتطلب معالجة استثنائية. وقد دعا هؤلاء الخبراء إلى إنشاء آلية انتقالية خاصة تسمح للمعتقلين السابقين، الذين يمثلون شخصياً ويثبتون هويتهم، بإزالة سجلات الوفاة الكاذبة دون تحمل العبء الكامل لإثبات براءتهم، وذلك لتخفيف الإجراءات المعقدة عليهم. كما حذر الخبراء من أن تصحيح السجلات المدنية يجب ألا يؤدي إلى تدمير الوثائق الأصلية، التي يمكن أن تُستخدم كأدلة في التحقيقات المستقبلية المتعلقة بظروف الاعتقال والتسجيل الخاطئ. هذه الوثائق قد تكون حاسمة لكشف ملابسات الاعتقال والتسجيل الخاطئ، وتحديد المسؤولين عن هذه الممارسات، وبالتالي ضمان مساءلة عادلة في المستقبل.