المواطنة السورية أساس الدولة وخيار الديمقراطية الغائب

Bishara emphasised that the bedrock of any future Syrian state must be “Syrian citizenship,”
الصورة عبر Syrianobserver

أكد الدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أن "المواطنة السورية أساس الدولة"، وذلك في سياق تحليل معمق لمفهوم المواطنة ودورها الجوهري في بناء الدولة السورية. تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه سوريا، بحسب بشارة، هامشاً معقولاً من حرية التعبير، وهو ما يتيح فرصة للنقاش حول القضايا الوطنية المحورية التي تمس جوهر الهوية السورية ومستقبلها. وشدد بشارة، الذي يرأس مؤسسة بحثية مرموقة ومتخصصة في الشأن العربي، على أهمية المواطنة كركيزة لا غنى عنها للدولة، مُبرزاً في الوقت ذاته التحديات الراهنة التي تواجه هذا المفهوم الحيوي في المشهد السوري المعقد، والذي يتطلب إعادة تقييم شاملة للأسس التي تقوم عليها الدولة والمجتمع.

تاريخ الثورة وخيارات المعارضة المسلحة

لم يعد الخيار الديمقراطي لسوريا مطروحاً على الأجندة منذ السنوات الأخيرة من الثورة السورية، وهي حقيقة أثرت بشكل كبير على مسار الأحداث والتطورات اللاحقة، وغيرت من طبيعة الصراع ونتائجه المحتملة. وقد أدت الفصائل المسلحة إلى تهميش المعارضة السياسية بشكل كبير، مما أضعف الصوت المدني والسياسي في مواجهة الصراع المسلح المتصاعد، وقلل من فرص الحلول السلمية والسياسية. يرى البعض أن النظام الذي أطيح به لم يترك للسوريين بديلاً سوى حمل السلاح، مما دفعهم إلى الانخراط في صراع مسلح طويل الأمد، كان له تداعيات عميقة على المجتمع والدولة، وأدى إلى تدمير البنى التحتية وتشريد الملايين.

تتطلب المرحلة المقبلة، التي تلوح في الأفق، توحيد سوريا بشكل فعلي وإرساء نموذج للحكم قادر على تأمين الرضا العام للسكان بمختلف أطيافهم وانتماءاتهم، وضمان مشاركتهم الفعالة في بناء مستقبل البلاد. كما يجب أن يواجه هذا النموذج الجديد تحديات الفساد المستشري في البلاد، والذي يعد أحد أكبر العقبات أمام أي تقدم أو استقرار، ويقوض ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. إن معالجة هذه القضايا الأساسية أمر ضروري لضمان مستقبل مستقر ومزدهر لسوريا، مستقبل يقوم على العدالة والشفافية والمساواة بين جميع المواطنين.

أسس الدولة السورية المستقبلية والمواطنة

يجب أن تكون المواطنة السورية هي الركيزة الأساسية لأي دولة سورية مستقبلية، وفقًا لتحليلات حديثة قدمها الدكتور عزمي بشارة وغيره من المفكرين والباحثين المتخصصين في الشأن السوري. يتطلب هذا المفهوم أن تنعكس مبادئ المواطنة السورية بشكل واضح وعميق داخل هيكل المؤسسة العسكرية، لضمان تمثيل شامل وغير طائفي لكافة مكونات الشعب السوري ضمن صفوفها، بحيث يصبح الولاء للدولة والمواطنة هو الأساس الذي يقوم عليه الانتماء العسكري، بعيداً عن أي اعتبارات طائفية أو عرقية أو إقليمية. هذا يعني أن الولاء يجب أن يكون للدولة وللمواطنة، وليس لأي انتماءات فرعية أو طائفية، مما يعزز من وحدة النسيج الوطني ويقوي مؤسسات الدولة.

من المهم أيضاً تجنب تحويل أغلبية السكان في سوريا إلى طائفة، وهو ما يُنظر إليه على أنه يهدد النسيج الاجتماعي للدولة ووحدتها الوطنية، ويغذي الانقسامات الداخلية. فمثل هذا التحول من شأنه أن يعمق الانقسامات ويغذي الصراعات الداخلية، ويقوض أي جهود لبناء دولة مدنية حديثة. تُعتبر القراءة التاريخية لسوريا، التي تستند إلى ثنائية الطائفة المهيمنة والطائفة الخاضعة، قراءة خاطئة من أساسها، حيث أنها لا تعكس التنوع الغني والتعايش الطويل الأمد بين مكونات المجتمع السوري عبر العصور. إن تجاوز هذه القراءات المبسطة والمغلوطة أمر حيوي لبناء مستقبل قائم على المساواة والعدالة، ويضمن حقوق جميع المواطنين دون تمييز.

تطورات السويداء والتدخلات الخارجية

تحمل التطورات الجارية في السويداء ثقلاً وطنياً كبيراً نتيجة للتدخلات والطموحات الإسرائيلية المتزايدة في المنطقة، وفقاً لتحليلات الخبراء والمراقبين للشأن السوري. هذه التدخلات تزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في المحافظة، وتخلق تحديات إضافية أمام أي حلول مستدامة. ويمكن للحكومة السورية أن تضمن ولاء سكان السويداء وأن تعزل العناصر المؤيدة لإسرائيل من خلال تغيير سياساتها أو طريقة تفكيرها تجاه المنطقة وسكانها، وتبني نهج أكثر شمولية واحتواءً يلبي مطالب السكان ويعزز من انتمائهم الوطني. وقد أدرك مؤيدو الثورة السورية خطورة الأحداث في المنطقة الساحلية في مارس 2025، مما لفت الانتباه إلى التحديات الأمنية والسياسية في تلك المناطق، وأهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية. كما أدرك مؤيدو الثورة السورية التطورات في السويداء في يوليو 2025، ما يؤكد على الوعي المتزايد بالديناميكيات المعقدة والتهديدات الخارجية التي تواجه البلاد، وضرورة التصدي لها بحكمة وفعالية. هذه التطورات مجتمعة تؤكد على ضرورة وجود استراتيجية وطنية متكاملة للتعامل مع التحديات الداخلية والخارجية لضمان وحدة سوريا وسيادتها، وبناء مستقبل مستقر ومزدهر لجميع السوريين.