أصدرت إدارة تدمر مؤخراً مرسوماً يقضي بتغيير أسماء العديد من المدارس والمؤسسات التعليمية في المدينة. شمل القرار استبدال أسماء شخصيات ثقافية بارزة بأسماء جديدة، في خطوة تعكس توجه الإدارة نحو إعادة تسمية شاملة للمؤسسات التعليمية. بموجب هذا المرسوم، تم تغيير اسم "مدرسة خالد الأسعد" ليصبح "مدرسة تدمر الثانوية"، بينما أصبحت "مدرسة عبد السلام العجيلي" تُعرف باسم "الصلوانة". هذه التغييرات تأتي كجزء من موجة أوسع من عمليات إعادة التسمية التي تطال المدارس في محافظات سورية متعددة.
مسيرة خالد الأسعد النضالية والتضحية
شغل خالد الأسعد، الذي يُعد شخصية بارزة في مجال الآثار، منصب مدير الآثار والمتاحف في مسقط رأسه تدمر لمدة أربعة عقود كاملة. خلال هذه الفترة الطويلة، التي امتدت لأربعين عاماً، كرس الأسعد جهوده لحماية التراث الأثري للمدينة، ليكون بذلك حارساً أميناً على كنوزها التاريخية. في عام 2015، ومع تقدم تنظيم الدولة الإسلامية (ISIS) نحو تدمر، رفض الأسعد الفرار من المدينة، مفضلاً البقاء في محاولة لحماية ما يمكن حمايته من كنوزها الأثرية، في موقف يعكس شجاعته وتفانيه في عمله.
ألقي القبض على خالد الأسعد في ظروف مأساوية، وتعرض للتعذيب الشديد في محاولة للحصول على معلومات رفض الإفصاح عنها، وذلك قبل أن يُعدم في 18 أغسطس 2015. اتهم تنظيم الدولة الإسلامية خالد الأسعد بـ "حماية الأصنام"، وهو اتهام رفضه الأسعد بشدة، مؤكداً على أن عمله كان يهدف إلى الحفاظ على الإرث الإنساني والثقافي. تكريماً لذكراه وتضحياته الجسيمة في سبيل حماية التراث الثقافي، يحمل متنزه في مدينة ميلانو الإيطالية اسمه، كما تحمل جائزة أثرية في إيطاليا اسم خالد الأسعد، تقديراً لجهوده وتفانيه اللامحدود في مجال الآثار.
إرث عبد السلام العجيلي السياسي والثقافي
ولد عبد السلام العجيلي في مدينة الرقة مع مطلع القرن العشرين، ليبرز لاحقاً كشخصية مؤثرة وبارزة في المشهد السياسي والثقافي السوري. بدأ العجيلي مسيرته السياسية مبكراً، حيث دخل البرلمان عام 1947 كأصغر أعضائه سناً، مما عكس طموحه وقدراته في خدمة بلاده، ومؤكداً على رؤيته السياسية الثاقبة منذ شبابه.
خلال مسيرته السياسية الحافلة، تولى العجيلي حقائب وزارية مهمة ومتنوعة، شملت وزارات الخارجية، والإعلام، والثقافة. هذه المناصب الرفيعة التي شغلها تعكس مدى نفوذه وتأثيره في مجالات متعددة ضمن الحكومة السورية، من الدبلوماسية التي تطلبت حنكة سياسية، إلى الإعلام الذي يتطلب فهماً عميقاً للرأي العام، وصولاً إلى الثقافة التي يبرز فيها اهتمامه بالتراث الفكري والفني للبلاد. توفي عبد السلام العجيلي في 5 أبريل 2006، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وثقافياً طويلاً ومؤثراً لا يزال يُذكر حتى اليوم، ويشهد على بصماته الواضحة في تاريخ سوريا الحديث.
دوافع التغيير الأوسع في المؤسسات التعليمية
تأتي قرارات إدارة تدمر بتغيير أسماء المدارس ضمن موجة أوسع من عمليات إعادة التسمية التي تشمل المؤسسات التعليمية في محافظات سورية متعددة. هذه التغييرات لا تقتصر على منطقة تدمر وحدها، بل تعكس توجهاً عاماً يشمل العديد من المناطق السورية، مما يشير إلى منهجية موحدة في تطبيق سياسات إعادة التسمية على مستوى أوسع. وقد صرحت وزارة التربية بأن إعادة تسمية المدارس تمثل جزءاً من مسعى أوسع لإزالة الرموز المرتبطة بالنظام السابق. هذا التوجه يسعى إلى إعادة تشكيل الهوية البصرية للمؤسسات التعليمية، بالتخلص من الأسماء التي تعتبر مرتبطة بإرث سياسي أو تاريخي معين، وفقاً لما ذكرته الوزارة في تبريرها لهذه الإجراءات، وذلك بهدف بناء هوية جديدة للمؤسسات التعليمية تتوافق مع التوجهات الحالية.