بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، تقف سوريا عند مفترق طرق خطير بين تكرار الماضي والإصلاح الحقيقي، بحسب تقارير. شهدت البلاد هروب العديد من النخب الاقتصادية عقب سيطرة هيئة تحرير الشام على دمشق في ديسمبر 2024. هذه التطورات تأتي في ظل تحديات اقتصادية معقدة تواجه مساعي إعادة الإعمار.
عقب استيلاء هيئة تحرير الشام (HTS) على العاصمة دمشق في ديسمبر 2024، فرت أعداد كبيرة من النخب الاقتصادية السورية التي كانت مرتبطة بالنظام السابق إلى خارج البلاد، وفقًا لتقارير متعددة. وقد أدى هذا النزوح إلى فراغ في المشهد الاقتصادي، مما أثار تساؤلات حول من سيملأ هذا الفراغ وكيف ستتشكل الديناميكيات الاقتصادية الجديدة. تبرز هذه التحولات كعامل رئيسي في تحديد مسار التعافي الاقتصادي المستقبلي للبلاد، وتضع سوريا في مفترق طرق حاسم بين تكرار أنماط الماضي أو الشروع في إصلاح حقيقي وشامل.
تتزامن هذه التطورات مع استمرار تأثير قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019، والذي أصدرته الولايات المتحدة ويستهدف جهود إعادة الإعمار. يفرض القانون عقوبات على الكيانات والأفراد الذين يدعمون النظام السوري، مما يعقد بشكل كبير تدفق الاستثمارات والمساعدات اللازمة لإعادة بناء البنية التحتية والاقتصاد المتضرر. هذه التشريعات الدولية تضع قيودًا إضافية على أي محاولات لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري، وتزيد من تعقيد التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد في هذه المرحلة الانتقالية.
إرث المحسوبية والنخب الاقتصادية
لطالما اعتمد الاقتصاد السوري تحت حكم نظام الأسد على نظام رأسمالية المحسوبية، حيث سيطرت فئة صغيرة من النخب الاقتصادية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسرة الأسد على زمام الأمور. هذا النظام، الذي قامت بموجبه طبقة صغيرة من النخب الاقتصادية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسرة الأسد بالتحكم في الاقتصاد، بدأ هذا التوجه مع حافظ الأسد في سبعينيات القرن الماضي، واستمر تحت حكم بشار الأسد عندما تولى السلطة في عام 2000. في ظل حكم بشار الأسد، قام النظام بتشكيل طبقة نخبوية من رجال الأعمال في سوريا، مانحاً فرص الأعمال بشكل أساسي بناءً على القرب والولاء للنظام.
من الأمثلة البارزة على ذلك رامي مخلوف، ابن عم بشار الأسد، الذي سيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد السوري، وبلغت حصته في مرحلة ما 60% من الاقتصاد قبل الحرب. وقد استفاد مخلوف من عقود حكومية حصرية، واحتكر قطاعات حيوية مثل الاتصالات، وتجنب التنظيم والضرائب، مما عزز نفوذه وثروته. وفي سياق متصل، تم إدراج رامي مخلوف من قبل وزارة الخزانة الأمريكية ضمن قائمة العقوبات في عام 2008، مما يسلط الضوء على طبيعة علاقاته الاقتصادية والسياسية.
أفادت تقارير أن هذه النخب الاقتصادية المقربة من نظام الأسد قدمت دعماً واسع النطاق لمجهود النظام الحربي، سواء كان ذلك دعماً مالياً أو عينياً للحكومة. كما يُذكر أن النخب الاقتصادية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظام الأسد دعمت وسهّلت قمع النظام والفظائع الجماعية خلال 13 عاماً من الصراع المسلح، مما يبرز الدور المحوري الذي لعبته هذه الطبقة في استمرارية النظام.
يمتلك محمد حمشو مصالح في جميع القطاعات الاقتصادية السورية تقريباً، وشغل أدواراً حكومية وبرلمانية بفضل علاقته بـ ماهر الأسد. وقد تم إدراج حمشو أيضاً من قبل وزارة الخزانة الأمريكية ضمن قائمة العقوبات في عام 2011، مما يؤكد طبيعة علاقاته المتشابكة مع السلطة. ومن الأمثلة على تورط رجال الأعمال في الصراع، أسس الأشقاء أيمن وإبراهيم ومحمد جابر ميليشيا صقور الصحراء (Suqur Al-Sahraa)، والتي شاركت في حرب الحصار في معركة حلب في عام 2016، مما يوضح كيف امتد نفوذ هذه النخب إلى الجانب العسكري المباشر للصراع.
آليات اتخاذ القرار السرية والصفقات المشبوهة
أفادت تقارير متقاطعة بأن اتفاقيات الاستثمار أُعلنت إلى حد كبير بشفافية محدودة بشأن محتواها وعملية اختيار الشركاء في المشاريع. وقد تداولت التقارير أن الحكومة الانتقالية التقت بعدد من رجال الأعمال، بمن فيهم محمد حمشو و سامر فوز، وزُعم أنها ابتزتهم لتسليم ما يصل إلى 80% من أصولهم للدولة. هذا النهج المخصص لإعادة بناء الاقتصاد السوري، والذي تتخذه السلطات الانتقالية عبر لجان سرية دون عملية قانونية شفافة وخاضعة للمساءلة، يثير تساؤلات حول مدى الالتزام بمبادئ الشفافية والحوكمة الرشيدة.
في عام 2012، أصدر نظام الأسد المرسوم التشريعي رقم 66 المتعلق بالإسكان العشوائي. هذا المرسوم، على الرغم من أنه كان يهدف ظاهريًا لمعالجة مشكلة الإسكان غير الرسمي، إلا أنه كان يُنظر إليه كتكتيك للهندسة الديموغرافية لوسط دمشق. بعد سنوات، أُعلن في يناير 2026 عن تسوية مع محمد حمشو لاستعادة 800 مليون دولار من أصوله وأمواله، في خطوة تعكس تعقيدات العلاقة بين السلطة ورجال الأعمال.
وقد كانت مشاريع إعادة الإعمار مثل مشروع ماروتا سيتي مربحة للنخب المرتبطة بالنظام مثل سامر فوز ومحمد حمشو ومازن الترزي، بحسب تقارير، مما يسلط الضوء على استمرارية نموذج الاستفادة من المشاريع الكبرى. كما أفادت تقارير بأن سامر فوز ومحمد حمشو قاما بتطوير شركات متورطة في نهب الخردة المعدنية من المنازل المدمرة لإعادة بيعها، في ممارسة تُظهر استغلال الصراع لتحقيق مكاسب اقتصادية. ومن الجدير بالذكر أن خطط تطوير كل من مشروع ماروتا سيتي ومنطقة دمشق تاورز لا تزال مستمرة، حتى بعد التغير في القيادة، مما يشير إلى استمرارية بعض المشاريع الكبرى بغض النظر عن التحولات السياسية.
في سياق متصل، زُعم أن المستثمر والمطور العقاري السوري بلال النعال قدم دعمًا لقوات الدفاع الوطني (NDF)، التي كانت مسؤولة عن مذبحة التضامن في عام 2013. وقد كانت مذبحة التضامن، التي نُفذت عام 2013، إعدامًا جماعيًا لـ 288 مدنيًا على يد قوات الدفاع الوطني (NDF)، وفقًا لتقارير، مما يربط بشكل مباشر بين بعض رجال الأعمال والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال الصراع.
أهداف الإصلاح المعلنة وتحديات التطبيق
تتبع السلطات الانتقالية نهجاً مخصصاً لإعادة بناء الاقتصاد السوري، متخذةً القرارات عبر لجان سرية دون عملية قانونية شفافة وخاضعة للمساءلة. وقد حدد الرئيس الانتقالي أحمد الشرع هدفين اقتصاديين واضحين: القضاء على الفساد، والاعتماد على اقتصاد السوق الحر والاستثمار الأجنبي لإعادة بناء سوريا. هذه الأهداف المعلنة تضع إطاراً طموحاً لمستقبل الاقتصاد السوري، لكن آليات التنفيذ تظل محاطة بالغموض.
في يناير 2025، صرح وزير الاقتصاد الانتقالي باسل عبد الحنان بأن الحكومة الانتقالية لا تنوي مصادرة الأموال الخاصة لرجال الأعمال، في محاولة لطمأنة المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال. ومع ذلك، حذر الشرع في أكتوبر 2025 من "المكاسب غير المشروعة"، وحظر على المسؤولين المشاركة في استثمارات جديدة، مما يعكس الرغبة في مكافحة الفساد وتحديد قواعد جديدة للتعامل الاقتصادي. هذه التطورات تأتي في ظل سياق تاريخي، حيث سبق أن فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على رامي مخلوف في عام 2008 وعلى محمد حمشو في عام 2011، مما يبرز استمرارية قضايا الفساد وارتباطها بالنخب الاقتصادية.
مخاطر تكرار الماضي وتداعيات مستقبلية
لطالما شكلت النخب الاقتصادية السورية، على مدى أكثر من خمسة عقود، المحرك المالي الذي دعم نظام الأسد، ضامنة بذلك استمراريته وسيطرته على البلاد. هذا الارتباط الوثيق بين السلطة ورجال الأعمال خلق نموذجاً اقتصادياً قائماً على المحسوبية، حيث كانت الفرص الاقتصادية والامتيازات تُمنح بناءً على الولاء والقرب من النظام الحاكم. وقد ترسخت هذه العلاقة تحت حكم حافظ الأسد ومن ثم ابنه بشار الأسد، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من بنية الاقتصاد السوري، حيث كانت النخب الاقتصادية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بنظام الأسد هي التي شكلت طبقة رجال الأعمال التي منحتها الفرص التجارية بناءً على قربها وولائها للنظام.
مع التغيرات الأخيرة في المشهد السياسي، تتزايد المخاوف من أن يؤدي الفراغ الاقتصادي الذي خلفته مغادرة بعض النخب القديمة إلى ظهور طبقة جديدة من المستفيدين الذين قد يعيدون إنتاج نفس ديناميكيات المحسوبية. هذه المخاوف تكتسب أهمية خاصة في ظل غياب آليات الشفافية والمساءلة التي يمكن أن تضمن توزيعاً عادلاً للموارد والفرص في مرحلة إعادة الإعمار. يرى مراقبون أن تحدي السلطات الانتقالية يكمن في كسر هذه الحلقة المفرغة ووضع أسس لاقتصاد سوق حر حقيقي، بعيداً عن نفوذ النخب المرتبطة بالسلطة. إن طبيعة النهج المخصص الذي تتبعه السلطات الانتقالية في إعادة بناء الاقتصاد، والذي يعتمد على قرارات تتخذ عبر لجان سرية دون عملية قانونية شفافة وخاضعة للمساءلة، يفاقم هذه المخاوف ويجعل من تكرار الماضي احتمالية قائمة، بدلاً من تحقيق الإصلاح الحقيقي الذي تطمح إليه البلاد.